في أي مكان تقوم فيه حضارة، لا بد أن تتوفر فيه وسائل للتواصل مع الأمم الأخرى، وموارد اقتصادية تجذب الناس من أماكن مختلفة، مثل طرق التجارة. مع توافد التجار والمسافرين، تزدهر التجارة وتزداد أرزاق الناس، وتتحسن أحوالهم المادية، مما ينعكس على مظاهر العز والرفاهية. 3يبدأ الناس في بناء المنازل الفخمة والمباني الخاصة بالحكم والإدارة والعبادة. يتطلب هذا وجود مهندسين وبنائين وصناعيين، مما يؤدي إلى ظهور طرز معمارية مميزة بتفاصيلها من الزخارف والنحت والصناعات المكملة مثل الحدادة والنجارة.
من جانب آخر، يسعى الملوك إلى إظهار أنفسهم بمظهر مميز أمام ملوك الأمم الأخرى، فيتبادلون الرسائل والهدايا. هذا يؤدي إلى تطور أساليب الكتابة واللغة والأدوات المستخدمة فيها. كما تتطور هيئتهم وملابسهم، مما يستدعي تطوير صناعات أخرى كالغزل والنسيج والصباغة والتطريز. 8تجدر الإشارة إلى أن عوامل الحضارة لا تظهر دفعة واحدة، بل تتطور تدريجياً، وعادة ما يستغرق الأمر وقتاً طويلاً. 9ليس من الضروري أن تكون الأمة متقدمة في جميع جوانب الحياة أو الصناعات، بل تعتمد على مواردها وإمكانياتها، وتستورد ما ينقصها من الخارج. فهل قامت الدولة العباسية بكل ذلك في أقل من 20 عامًا؟ وكيف حدث ذلك؟
طريق التجارة العالمي ودوره في النهضة العباسية
قامت العديد من الحضارات القوية وذات التأثير الكبير في بلاد ما بين النهرين (العراق القديم) عبر أزمنة مختلفة. من أهم أسباب هذا الازدهار كان وجود طريق التجارة العالمي بين الشرق والغرب، والذي كانت تتجمع منه عدة مسارات داخل الأراضي العراقية، وتحديداً على نهري دجلة والفرات. كانت هذه المنطقة محطة مهمة للقوافل في رحلتها من الشرق إلى الغرب، حيث يتوقف التجار للراحة وبيع جزء من بضاعتهم لتمويل استكمال رحلتهم، أو بيعها بالكامل لتجار آخرين. كان هذا بحد ذاته مورداً اقتصادياً كبيراً للمكان، مما أدى إلى بناء المدن والمراكز الحضارية والأسواق والفنادق لخدمة التجار والقوافل.
بُنيت العديد من المدن بين نهري دجلة والفرات في حضارات مختلفة، لتأكيد أهمية وقوة الموقع عبر العصور. من هذه المدن مدينة بابل القديمة، التي بنيت حوالي 2400 قبل الميلاد واستمرت حتى القرن الثاني قبل الميلاد، ومدينة طيسفون التي بناها الإغريق في العصر السلوقي في القرن الثاني قبل الميلاد تقريباً، والتي اتخذها الساسانيون عاصمة لهم حتى عصر الفتوحات في القرن السابع أو الثامن الميلادي، إلى أن بُنيت مدينة بغداد عام 762م. كانت جميع هذه المدن قريبة جداً من بعضها البعض.
لم يبدأ العباسيون من الصفر، بل بُنيت بسرعة المدينة التي ستصبح مستودعاً لحضارتهم وثقافتهم حتى الآن. تم تمويل ذلك من خزينة بيت المال، الذي كان عامراً بخراج حوالي 27 ولاية مختلفة، بالإضافة إلى غنائم الحروب مع الأتراك والبيزنطيين والأمازيغ، ومعارك الحدود، والجزية التي كانوا يحصلونها من الروم وغيرهم، فضلاً عن مصادرة أموال الخارجين على القانون والثورات التي أخمدها العباسيون. في وقت قصير جداً، أصبحت كنوز الخليفة العباسي أكبر من كنوز أعظم الملوك على وجه الأرض، مما سمح لهم بالإنفاق ببذخ وبناء مدينة كبيرة وفخمة.
نظراً لأن معظم المهندسين المستخدمين كانوا من الفرس والشوام، ظهر الطراز العباسي كخليط من الطرز الفارسية القديمة وفنون البيزنطيين التي تطورت على أيدي الأمويين في مباني دمشق وحمص وحلب والبلقاء وغيرها من المراكز الحضرية الأموية. تميزت العمارة العباسية بالشناشيل من العمارة البابلية القديمة التي تطورت في العصور السلوقية والساسانية، والإيوانات الضخمة، والقباب الواسعة المحمولة على رقبة أو طبلية عالية، ونسب العقود أو الأقواس المميزة، والزخارف الجبسية في الواجهات، والمآذن أو المنارات التي بدأت تظهر في مساجد بغداد في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين.
في وقت قصير جداً، أصبحت بغداد من أكثر المدن تأثيراً في الأمم الأخرى. عندما كانت القوافل التجارية تتوجه إلى القسطنطينية حاملة أخبار مدينة بغداد وطراز قصورها وزخرفتها، ورغم أن البيزنطيين كان لهم طرازهم الخاص وقصورهم، إلا أن سنوات عديدة من القرنين التاسع والعاشر الميلاديين شهدت حركة بناء وعمران في القسطنطينية وقصورها، وذلك حرصاً من الأباطرة على الحفاظ على حيوية عاصمتهم وتألقها، لكي لا تتفوق بغداد عليها. 25كما شهدت الأندلس تألق مدن قرطبة وطليطلة، ولاحقاً مالقة وإشبيلية وغرناطة.
قال أمراء بني أمية هناك: "لا تكون عاصمة خليفة بغداد أفضل منا"، واستعانوا بمهندسين وبنائين من المشرق، ومن عندهم من القوط الذين تحولوا إلى الإسلام وأصبحوا يُسمون "المستولدون". فأصبح طرازهم المعماري المميز خليطاً من كتل ونسب العمارة القوطية القديمة، وزخارف المباني الإسلامية في دمشق وبغداد. كان المهندسون أو البناؤون في البداية من الشوام، وعندما هاجر زرياب من بغداد، لفت انتباههم إلى طراز العباسيين، فاستعانوا لاحقاً بمهندسين من بغداد، وبالتالي تم تطوير الطراز الأندلسي على مر الزمن وفي أكثر من مدينة. لاحقاً، أثرت العمارة في العصر العباسي على الحضارات الأخرى التي قامت في فارس وبلاد ما بين النهرين، كما نرى من بعض مبانيهم التي لا تزال قائمة حتى اليوم، مثل مباني السلاجقة، والإلخانات المغول، والصفويين، ومن بعدهم القاجاريين. 30هذا هو الأثر الحضاري للعباسيين في الأمم الأخرى المعاصرة لهم أو التي جاءت بعدهم، وهذا أمر لا يختلف عليه المؤرخون أو الباحثون في التاريخ.
بيت الحكمة ودوره في نهضة العلوم
في العصر الأموي، وتحديداً في عصر الحجاج بن يوسف الثقفي، بدأ العلماء المسلمون في تطوير اللغة العربية قراءة وكتابة، وظهرت علوم النحو ووضعت القواعد اللغوية المختلفة. بدأ العلماء في تطوير خط الكتابة، فمن الخط الحجازي المستمد من النبطي القديم، ظهر الخط الكوفي القديم الذي كان بدون نقاط. في عصر الحجاج، بدأ علماء اللغويات في استخدام النقط لمساعدة العجم أو الموالي على القراءة بسهولة وتعلم اللغة. في وقت لاحق، وللسبب نفسه، ظهر التشكيل على الحروف. كما ظهر في نهاية القرن الثاني الهجري علم العروض، الذي اهتم بأوزان الشعر العربي وحدد قواعده وأوزانه، فأصبحت اللغة العربية مكتملة قراءة وكتابة وأدباً.
في العصر الأموي أيضاً، بدأت حركة ترجمة لنقل العلوم المختلفة من اليونانية والسريانية إلى اللغة العربية، ولكن هذا كان اجتهادات ذاتية وجهوداً شخصية من أطباء أو كيميائيين يرغبون في التوسع في علمهم، أو فلاسفة درسوا العلوم الإغريقية أو السريانية القديمة وأحبوا نقلها إلى اللغة العربية. نتيجة لذلك، بدأت مرحلة التدوين عند المسلمين، فبدأ علماء الحديث والفقه والسيرة والتاريخ وغيرهم في كتابة علومهم، وقام طلابهم بنسخها وتوزيعها في البلاد الأخرى، ومن هنا بدأ العامل الأكبر في الحضارة.
في العصر العباسي، اهتم الخلفاء منذ أيام أبي جعفر المنصور بجمع هذه الكتب في مكتبة خاصة بهم، فأنشأ مكتبة بيت الحكمة داخل قصر الخلد الذي بناه في قلب مدينة بغداد. كانت أولى الكتب فيها هي كتب الطب التي ترجمها الأطباء السريان من فارس والشام. 40كان الطبيب جرجس بن بختيشوع مترجماً للعديد من الكتب القديمة، وكانت له مؤلفاته الخاصة التي ترجمها هو إلى اللغة العربية. في وقت لاحق، انضمت للمكتبة المزيد من الكتب في الفلك والفلسفة والهندسة، مثل أعمال إقليدس وبطليموس.
في عصر الرشيد، أصبحت بغداد مركزاً علمياً كبيراً، يأتي إليها الطلاب من جميع البلاد. لذلك، قرر الخليفة تسهيل الأمر على طلاب العلم، وأتاح لهم الاطلاع على الكتب في مكتبة بغداد. بنى مبنى كبيراً منفصلاً عن قصره ونقل إليه جميع الكتب التي لديه، وعمل على زيادتها بتشجيع حركة الترجمة، حيث كانت هناك مكافآت كبيرة لمن يترجم المزيد من الكتب من اليونانية أو السريانية. 45هنا أصبحت الترجمة مدعومة من الدولة أو من الخليفة، وليست اجتهاداً شخصياً، فتوسع نطاقها، وشملت الكتب الفارسية القديمة والهندية، وتضاعف عدد الكتب المترجمة بشكل كبير.
في هذا الوقت أيضاً، ظهر أمر مهم جداً كان في صالح الثورة العلمية بشكل عام. أحضر أحد البرامكة في ولاية خراسان سر صناعة الورق، بعد أن كان لفترة طويلة محصوراً داخل الصين. حتى ذلك الوقت، كان العلماء والدارسون المسلمون يستخدمون الجلد المدبوغ للكتابة. عندما دخلت مصر ضمن ولايات الدولة الإسلامية، أصبح ورق البردي، الذي كان يصنع في بشمور شمال الدلتا، هو المستخدم في أماكن كثيرة، فكان حجم الكتب كبيراً أيضاً، طولاً وعرضاً ووزناً. ولكن بعد أن جلبوا التركيبة الصينية في صناعة الورق من قش الأرز المكبوس، وهو أمر ليس بعيداً عن صناعة الورق في العصر الحالي، أنشأ الرشيد أول مصنع للورق في بغداد حوالي عام 800م.
انتشر بعد ذلك الورق وصناعته في أماكن كثيرة، ووصل إلى القسطنطينية وآخن وقرطبة مع التجار والقوافل، وقاموا هم أيضاً بتطويره بأشكال عدة. 52أصبحت الكتب المكتوبة على الورق ذات عمر أطول من تلك المكتوبة على الجلد أو البردي، كما أصبحت الكتابة عليها أسهل، ويمكن عمل عدة نسخ من الكتاب الواحد بالاستعانة بالناس، بدلاً من عمل نسخة واحدة بصعوبة إذا كان من الجلد أو البردي.
بدأت مرحلة التدوين تزيد في شتى العلوم. 54ظهرت مدارس الفقه المختلفة، وظهرت أوائل كتب الأحاديث والسنة، مثل الإمام مالك في الحجاز، والإمام أبو حنيفة والإمام ابن حنبل في العراق، والإمام الشافعي في العراق أولاً ولاحقاً في الفسطاط، والإمام الأوزاعي في الشام، وظهر معهم علم الرجال أو الجرح والتعديل.
كما بدأ تدوين التاريخ، وظهرت مدارس مختلفة في الحجاز (مكة والمدينة)، وفي العراق (البصرة والكوفة وبغداد)، وفي الشام (دمشق)، وفي مصر (الفسطاط)، وفي شمال إفريقيا (القيروان)، وفي الأندلس (قرطبة). ظهرت أيضاً كتب التاريخ الشاملة، مثل سيرة ابن إسحاق وتاريخ الطبري، واللذان جمعا فيهما الروايات التي كتبها عروة بن الزبير أو أبان بن عثمان (رضي الله عنهما) وأضافا عليها الكثير من الروايات الشفهية، فيعتبران إماماً للكثير من كتب التاريخ التي ظهرت لاحقاً في المدارس المختلفة المذكورة.
في الحجاز مثلاً، جمعوا روايات الأحاديث والسيرة الأصلية التي كانت تتناقل بينهم حتى ذلك الوقت. في العراق، أضافوا عليها تاريخ ملوك بني أمية وبني العباس حتى ذلك الوقت. في الشام ومصر، اهتم المؤرخون بتدوين تاريخ بلادهم الإقليمي، فظهرت كتب متخصصة تتحدث عن تاريخ دمشق، أو تاريخ حلب، كما اهتموا بتدوين الأنساب، التي كانت من العلوم الشفوية حتى ذلك الوقت.
في مصر، اهتم المؤرخون أيضاً بدراسة أحوال الطبقات الاجتماعية المختلفة، وليس فقط تاريخ الملوك أو الفتوحات أو التاريخ السياسي. ظهرت كتب مثل "فضائل مصر وأخبارها" لابن زولاق، وظهر علم الخطط الذي يصف المدن والقرى والشوارع، وكانت هذه سمة مميزة لمدرستهم، اهتم بها مؤرخون مثل الكندي وابن عبد الحكم، وتلاميذهم من بعدهم. نفس الشيء في الأندلس، حيث كان أول من كتب تاريخهم مؤرخون من الفسطاط، ثم تم تنقيح ما كتبوه وجمعه والإضافة عليه من علماء الأندلس في وقت لاحق.
ازدهار العلوم الإنسانية
إلى جانب العلوم النقلية، ازدهرت علوم أخرى مثل الطب والفلك والرياضيات والفلسفة، والتي كانت تسمى وقتها "العلوم الدخيلة". نشأت هذه العلوم من دراسة جيل كامل من علماء المسلمين للكتب العربية التي ترجمت عن أصول يونانية أو سريانية. أصبح العلم هنا عربياً خالصاً لا يحتاج إلى دراسة لغات أخرى لدراسته أو القراءة فيه، وتنوعت المدارس المختلفة في دراسة هذه العلوم.
في المشرق مثلاً، ظهر الأطباء مثل ابن سينا والرازي وابن النفيس، الذين قدموا مؤلفات ظلت لسنوات مرجعاً طبياً هاماً في جميع أنحاء العالم. 67كما أنشأ خلفاء بني العباس المستشفيات التي تعلم فيها هؤلاء الأطباء وازدادت خبرتهم في الطب من خلالها، وكانت تقدم خدماتها للناس وتكاليفها كلها من بيت المال.
في الأندلس، كانوا أكثر تحرراً من أهل المشرق في كثير من النواحي. في الطب، اعتمدوا هناك على المنهج التجريبي في دراسة الأمراض وتطوير العلاجات، وظهرت مؤلفات الزهراوي وابن البيطار، مما ساهم في تقدم الطب بشكل كبير. 70وفي الفلسفة وعلوم الكلام، ظهرت كتب ابن رشد التي قدمت شروحاً عصرية لفلسفة أرسطو اليونانية القديمة، ومعارضة لفقه الإمام الغزالي، الذي كان من كبار أئمة المشرق. 71اعتمد فكر الغزالي على رفض الكثير من الأمور الفلسفية، قائلاً إنها تتعارض مع الشريعة، ويرى في الشريعة الحل لجميع أمور الحياة، وأننا لا نحتاج إلى فلسفة الأجانب أو غير المسلمين.
رد عليه ابن رشد بأن "الذين تقول عنهم فلسفة الأجانب هؤلاء، لو تقرأها جيداً وتفهمها، لن تجد فيها تعارضاً مع الشريعة، بل على العكس ستقدم لك حلولاً لكثير من الأمور الفقهية التي قد تقف حائراً أمامها. فالذي يريد أن يوسع مداركه في الفقه يدرس الفلسفة والمنطق وغيرها من العلوم." كان ابن رشد يسميها "الحكمة"، وبإمكانه بعلمه أن يطوعها بشكل ما، أو يأخذ منها ليكمل الأجزاء التي قد تكون ناقصة لديه. هنا يظهر التعارض بين مدارس الشرق والغرب، ولماذا كان فكر الأندلس أقرب إلى الفكر الغربي. عندما ترجمت أعمال ابن رشد إلى اللغات الأوروبية في وقت لاحق، رأى كثيرون أن دراستها أهم من دراسة كتب أرسطو نفسها، لأنها قدمت الكثير من الأمثلة، أو طبقت نظريات أرسطو وأفكاره بشكل عصري وقريب من فهمهم عن الأصل اليوناني أو زمنه.
في الكيمياء، بدأ يظهر العلم الذي نعرفه حالياً، الذي يدرس التفاعلات بين المواد المختلفة ويستفيد منها بشكل عملي، ليس الذي يبحث عن كيفية تحويل التراب إلى ذهب أو يستخدمه في أعمال السحر.
في الفلك، تطور العلم بالصورة القائمة على الملاحظة والدراسة، فأصبح يدرس مواقع النجوم ويسميها، ويستخدمها استخداماً جغرافياً، يهتدي بها في سفراته مثلاً أو في البحر، كما يدرس حركة الشمس والقمر ويستخدمها في ضبط التقويم وغيره. في عهد المأمون، ظهر أول مرصد فلكي في التاريخ الإسلامي، وهذا نتيجة لتعاون علماء الفلك مع علماء البصريات، وهذا أصبح يختلف كثيراً عن العلم الذي يدرس الطالع وأثر النجوم على البشر، وهي أمور عارضها الفقهاء بشكل عام.
في الأدب، وبعد أن صقل الشعراء العرب موهبتهم بالدراسة، أصبح لديهم فكرة عن العروض والأوزان، تطور الشعر وأصبح يدرس الكثير من أمور الحياة، بخلاف شعر الفخر والهجاء الذي ازدهر في أزمنة أقدم. كما ظهر النثر، وهو أدب جديد لم يكن معروفاً من قبل، ظهرت المقامات والرسائل، وتحسن أسلوب الكتابة في كتب التاريخ والفقه وغيره من العلوم.
في الأندلس، ورغم أن أدبياتهم كانت في البداية تقليداً أو محاكاة لأدب المشرق، إلا أنه لاحقاً ظهرت الأشياء التي تميزوا بها مثل الأزجال والموشحات، والتي تأثر فيها الأندلسيون بالأمم التي كانت قبلهم. كما اهتموا بالتعبير عن أحاسيسهم بشكل أكبر من شعراء المشرق.
في الموسيقى والغناء، كان مجلس الخليفة العباسي ساحة يتنافس فيها المطربون والملحنون، كل واحد يقدم أفضل ما لديه. ظهر الكثير من الموسيقيين الذين طوروا الموسيقى العربية ومقاماتها، اعتماداً على أصول سريانية أو فارسية. كان العرب في السابق لا يمتلكون موسيقى أو فناً، وعندما اختلطوا بغيرهم من الأمم، بدأوا يأخذون موسيقاهم ويغنون عليها الأشعار العربية. في هذا الزمن، عصر الرشيد وما بعده، بدأت الموسيقى تأخذ طابعها الخاص، وظهرت الموسيقى العربية بشكل ليس بعيداً عما نعرفه حالياً، على يد أبي إسحاق الموصلي وتلميذه زرياب. وعندما هاجر زرياب إلى الأندلس، أخذ معه كل ذلك ونقله هناك، وطوره على مدار 20 عاماً عاشها في قرطبة، فظهر فن الغناء الأندلسي الذي أصبح يختلف عن فنون المشرق بشكل ملحوظ.
كلمة أخيرة
تأتي الحضارة بشكل عام من ازدهار وشيوع العلوم والفنون بين أمة متعلمة، وهي دليل ملموس على رقي وتقدم الأمم والشعوب، ومن المستحيل أن يزدهر العلم وسط أمة متخلفة أو جاهلة، والعكس صحيح.
في العصر العباسي، تجمعت للأمة جميع عناصر التحضر والرقي: الاحتكاك مع الشعوب الأخرى، والعلم الذي بدأ بضبط اللغة والكتابة وانتشار المدارس في أغلب المدن، وانتشار الورق الذي أصبحوا يكتبون عليه بسهولة، والترجمة التي سهلت الكثير من العلوم للدارسين من الثقافة العربية في كل أنحاء العالم الإسلامي، بالإضافة إلى دعم الدولة للعلم والتعليم، وإنشاء المدارس ودعم الطلاب، وتقديم منح مادية للعلماء التي ساعدتهم على التفرغ للعلم والتأليف وتعليم غيرهم. 90كما تم دعم المكتبات وتشجيع حركة الترجمة، فلم تعد نشاطاً فردياً، ولم يكن ذلك في بغداد وحدها، بل في كل مدينة أو ولاية.
عندما حدث كل ذلك، على مدار جيل أو جيلين على الأكثر، انتشرت الحضارة وتأثيرها في الأمم الأخرى. بعد أن كان المسلمون يترجمون الكتب من الأمم أو الحضارات التي سبقتهم، أصبحت كتبهم هي التي تترجم إلى لغات أخرى، ويدرس الناس عنهم الطب والفلسفة والموسيقى والكثير من العلوم التي نهضت عليها الأمم، وحتى اليوم.






