سؤال يتم تداوله في عديد من المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، هل النبي إدريس عليه السلام هو بالفعل نفسه أوزير ؟ وهل معبد الأوزيريون هو بيت نبي الله إدريس ؟!
في البداية يجب ان نوضح من هو نبي الله إدريس عليه السلام، طبقا للعقيدة الاسلامية، هو أحد أنبياء الله التي ورد ذكرها في القرآن الكريم في موضعين: الاول في سورة مريم حين قال تعالى : { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا } ، والموضع الثاني في سورة الأنبياء 85 في قوله تعالي { وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ } ، وكما نرى فإن الآيات لم توضح تفاصيل كثيرة عنه، ولا عن حياته ومكان اقامته، ولا يوجد ايضا نص ثابت في السنة يؤكد ذلك! وانما ما نعلمه عنه يأتي من اجتهاد بعض المفسرين لاحقا، من الذين عنوا بتدوين التاريخ منذ بدء الخليقة، واجتهدوا قدر المستطاع ان يربطوا بين النصوص الدينية (روايات القرآن والسُّنه وأيضا القصص الواردة في كتب أهل الكتاب) بالتاريخ المعروف والأثار أو أطلال المعابد وما تحمل جدرانها من نقوش استعصى عليها فهمهم، وغيرها مما تراه أعينهم ولا يفهمون مدلوله! يقول ابن كثير في البداية والنهاية ان إدريس عليه السلام كان يعيش في أرض بابل بالعراق، ثم انتقل الى ارض مصر، وهذا اجتهاد منه لا يدعمه اي دليل تاريخي، فلا يوجد نص ٱثري سواء كان نقشا أو نصا أو حتي بردية ذكرت كل هذا . او حتى قرينه في الروايات الدينية او كتابات الامم الاخرى! فما الذي ربطه بأوزير، الإله المصري القديم؟.. وقد يرجع الامر لما يراه البعض أن هناك تشابهًا في بعض جوانب شخصية كل منهما، مثل ارتباطهما بالحكمة والتعليم. واقع الامر انه لا مقارنه ولا رابط من الأساس! لأن اوزير هذا شخصية لا وجود لها، او شخصية اسطورية ارتبطت بالميثولوجيا او العقيدة المصرية القديمة، لإله تم قتله على يد إله آخر، ثم بُعث من جديد، أي أن الاحداث كانت لامور تتعلق بعقيدة البعث والخلود كما تخيلوها في ذلك الوقت. وايضا بفكرة الحساب في العالم الآخر، بينما إدريس هو شخصية حقيقة لأحد انبياء الله في الموروث الديني الإسلامي، ومذكور بشكل مؤكد ولكن في نفس الوقت محدود بدون تحديد موقع أو أزمنة معينة ، فإدعاء أن أوزير هو إدريس لا اساس له من الصحة وليس على اساس علمي.
ففى كتاب "الجبتانا" الذى وضعه المؤرخ المصرى مانيتون السمنودى ودوّن فيه قصة الخلق المصرية القديمة وأحداث أول الزمان حتى تكليف الآلهة لـ"مينا نارمر" بتوحيد مصر التى مزقتها حرب "سِت" مع "أوزوريس وحورس وإيزيس"، فنرى فيها وصفًا لأوزوريس أنه يتلقى من حين لآخر دعوة الآلهة فيصعد إلى السماء ويتعلم منها فنون البناء بالحجر والخط بالقلم والزراعة والحكمة وتخطيط المدن، وتصفه بأنه أول من جعل الجبتيين (المصريين) يسكنون البيوت بعد أن كانوا يسكنون الكهوف خوفًا من الوحوش والمسوخ، كما تنوه بأنه أول من شيّد المعابد الضخمة، واهتم بتعليم الطب، وابتكر أدوات الزراعة والرى مثل المحراث والشادوف، وازدهرت فى عهده المدن والصناعات وعرف الناس لبس الأثواب الكتانية، وكان يتلقى وحى الآلهة ويرى الرؤى فى نومه، وقد حكم مصر بالعدل حتى اغتاله سِت ثم عاد إلى الحياة ثم رفعته الإلهة إلى تاسوعها المقدس، وهو -وفقًا للعقيدة المصرية القديمة- قاضى قضاة محكمة الآخرة.
أما ما يدعيه البعض من تشابه الاسماء (إدريس / أوزيريس) فهو ايضا غير موجود، لان أوزيريس هو النطق اليوناني للأسم، فلم يكن المصريين ينطقوه هكذا، ولكن عرفوه باسم (وِسِر) أو (أوزير)، وعليه فلابد من وجود منهجية علمية ٱثناء التعامل مع التاريخ ، فلولا النصوص والنقوش لأصبحت الٱثار مجرد حجارة صماء ، فالمقارنة الرمزية يمكن أن نستخدمها أحيانا في الفلسفة أو الأنثروبولوچي، من ناحية فكرية بحته، لكن لا تختلط أبدا مع التوثيق الٱثري .
أما بالنسبة أن الأوزيريون هو بيت لنبي الله إدريس ، فهو ايضا كلام عار من الصحة، لأن الأوزيريون، الواقع حاليا في مركز البلينا بسوهاج من صعيد مصر، ليس معبد ديني بالمعنى المعلوم، ولكن مبني رمزي جنائزي تم بناؤه في عصر الدولة الحديثة، تحديدا عصر الملك سيتي الأول من الأسرة التاسعة عشر، فكان رمزآٓ لمقبرة أوزير في أسطورة الآله المقتول، ثم المبعوث. فالأوزيريون، المعبد الغامض الذي تم اكتشافه عام 1903م، ما هو الإ مبني صمم للطقوس الجنائزية المرتبطة بأوزير، وليس لاي طقوس توحيدية فلا صله له بنبي الله إدريس عليه السلام. وعموما فإن كثير من علماء الاثار يعتقدون ان المعبد لم يبُح بكل أسراره و ما زال يخفي الكثير، ومازال يخضع لكثير من الدراسات التي قد تنبئ عن جديد من أحواله يوم ما.
أما ما قيل من البعض عن فرضية الحج لأبيدوس ، ففكرة الحج لدى المصريين القدماء، أو شد الرحال إلى معابد الالهة ابمعنى المفهوم، لم يكن مرتبطا بإله واحد أو مكان مقدس واحد يأتي إليه الجميع كما نظُن، بل كل منطقة او اقليم كان له آلهة خاصة به ومعابد وزيارات طقسية خاصة تختلف باختلاف المكان والاله، كما تشير بعض المصادر القديمة إلي أن قبر أوزير في أبيدوس كان جزء من طقوس البعث، وليس شعيرة إلزامية دينية شأنه شأن الحج في الإسلام أو أي دين آخر .
خلاصة الكلام، لا يوجد اي علاقة بين نبي الله إدريس عليه السلام، وأوزيريس أحد آلهة العالم الآخر في الميثولوجيا المصرية القديمة. فالمصريون لم يعرفوا التوحيد بشكله النقي الموجود في الإسلام، وانما كانت عقيدتهم تقوم على تعدد الالهة، وكل إله يختص بقوة او مقدرة معينه في أمر ما، ولهذا شان آخر نتحدث فيه بتدوينة مستقلة ان شاء.. تابعونا


