السفاح والمنصور: ملحمة تأسيس الدولة العباسية بين الدماء والمجد

طارق الشافعي
كتب
0

في ظل الليل الحالك، حيث تسكن المؤامرات وتنمو الأحقاد، كانت تترعرع في الخفاء بذور ثورة ستغير وجه التاريخ الإسلامي. جماعة من المظلومين، أبناء العمومة المنسيين من بني هاشم، ينسجون خيوط دعوتهم بخيط رفيع بين الحياة والموت. كانوا يتحركون كالظلال بين حواضر العالم الإسلامي، يحملون في قلوبهم جراح الماضي وفي عقولهم خطط المستقبل. أي مصير ينتظر من يكتشف الأمويون أمره؟ لكنهم صبروا، وانتظروا، حتى أتتهم ساعة الصفر ليقيموا دولة تقضي على أعتى إمبراطورية عرفها العالم الإسلامي. هذه ليست أسطورة من أساطير الأولين، بل هي قصة صعود بني العباس من ظلمات السرية إلى نور السلطة.



شرارة الثورة من قلب خراسان

في أقصى المشرق الإسلامي، حيث تلتقي الثقافات وتتصارع النزعات، كانت خراسان تشهد ولادة حركة مقاومة منظمة ضد الحكم الأموي. هناك، في تلك البقعة النائية، تجذرت فكرة أحقية آل البيت في الخلافة، فكرة كانت تشتعل كالجمر تحت الرماد منذ مقتل الحسين في كربلاء. وفي مدينة الحميمة الصغيرة، التي تقع اليوم في الأردن، كان أبو هاشم بن محمد ينسج خيوط المؤامرة، حتى أدركه الموت في ظروف غامضة في بلاط سليمان بن عبد الملك. فالتقط الراية من بعده محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، حفيد حبر الأمة عبد الله بن عباس، الذي أقسم على أن تكون حياته كلها جهاداً ضد بني أمية.


لكن القدر لم يمهل محمد بن علي طويلاً، فسجنه الأمويون، فحمل الراية أخوه إبراهيم الإمام، بينما توجه أبو العباس إلى خراسان، حيث التقى بالرجل الذي سيصبح أداة القضاء على الأمويين: أبو مسلم الخراساني، ذلك القائد الفذ الذي جمع بين فصاحة اللسان وحد السيف، والذي استطاع أن يحشد جيشاً جراراً من مختلف الأجناس تحت راية العباسيين. وبعد سلسلة من المعارك الضارية، سقطت دمشق في أيديهم عام 750م، وأعلن أبو العباس نفسه خليفة للمسلمين من على منبر الكوفة، في خطبة دموية أطلق عليه بسببها لقب "السفاح".


النهاية المروعة لبني أمية 

ما إن استقرت الأمور لأبي العباس حتى بدأت عملية تصفية شاملة لكل ما يمت إلى بني أمية بصلة. لم يترك العباسيون حجراً على حجر من ممتلكاتهم، ولا قبراً من قبورهم إلا ونبشوه. لقد أرادوا محو كل أثر لهم من الوجود، وكأنهم يحاولون طمس صفحة كاملة من التاريخ. حتى أن بعض الروايات تذكر أنهم كانوا يقتلون الأجنة في بطون أمهاتهم إذا علموا أنهم من سلالة الأمويين. ولم ينج من هذه المذابح إلا الشاب عبد الرحمن بن معاوية، الذي فر إلى الأندلس ليبني هناك دولة أموية جديدة، تكتب فصلاً آخر من الصراع بين العائلتين.


التحديات والثورات

لكن السلطة الجديدة لم تكن لتخلو من التحديات. ففي كل إقليم، وفي كل مدينة، كانت تندلع ثورات تارة بحجة الانتماء للأمويين، وتارة بدعوى أحقية أخرى في الخلافة. وكان أبو مسلم الخراساني، بدهائه العسكري وقسوته الشديدة، يطفئ هذه الثورات الواحدة تلو الأخرى، مما زاد من نفوذه وخطورته في نظر الخليفة الجديد.


تأسيس بغداد: عاصمة العالم الجديدة

مع تولي أبو جعفر المنصور الخلافة، بدأت مرحلة جديدة في بناء الدولة. ففي عام 762م، وضع حجر الأساس لمدينة بغداد، التي صممت لتكون أعجوبة العالم في ذلك الوقت. اختار موقعها بعناية حيث يلتقي دجلة بالفرات، وصممها على شكل دائري فريد، ترمز إلى مركزية الخليفة في الكون. كانت الأسوار العالية، والأبواب الذهبية، والقصور الفاخرة، كلها تعلن عن ميلاد حضارة جديدة. لكن هذه المدينة العظيمة كانت أيضاً تعكس عقلية الحصار والخوف، فقد بنيت كقلعة محصنة أكثر منها مدينة مفتوحة.


عهد المنصور: بين البناء والتصفيات

لم يكد المنصور يستقر في حكمه حتى بدأ يتخلص من الرجال الأقوياء الذين ساعدوه في الوصول إلى السلطة. وكان أولهم أبو مسلم الخراساني نفسه، الذي قتله غدراً بعد أن أصبح يشكل خطراً على سلطته. ثم واصل سياسة البناء والتشييد، فأنشأ الدواوين، ونظم الجيش، ووضع الأسس الإدارية لدولة ستستمر خمسة قرون.


لكن هذه الدولة التي بدأت قوية موحدة، كانت تحمل في طياتها بذور الانقسام. فسيطرة العنصر الفارسي على مراكز القرار، وإقصاء العرب عن المناصب المهمة، كل ذلك كان يختمر تحت السطح، لينفجر في العصور اللاحقة.



بين الماضي والمستقبل

لقد كتبت الدولة العباسية أولى صفحاتها بحروف من ذهب ودم. ذهب حضارة بدأت تشرق من بغداد، ودماء أريقت في الصراع على السلطة. كانت البداية قاسية عنيفة، لكنها مهدت لعهد أصبح منارة للعالم في العلوم والفنون والآداب. فهل كانت الغاية تبرر الوسيلة؟ التاريخ وحكمه يحتفظان بالإجابة.

الأقسام :

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)