بعد مرور سنوات على رحيل المفكر السوري عبد الرحمن الكواكبي، لا تزال سيرته الحافلة بالنشاط الفكري والسياسي تثير الكثير من التساؤلات. ففي حين أن أفكاره الثورية قد نالت حظها من البحث والتحليل، إلا أن علاقته المتوترة بالدولة العثمانية لم تحظ بنفس القدر من الاهتمام. فقد كرس الكواكبي أشهر كتبه لانتقاد حكم أحفاد عثمان، معتبرًا إياه بلاءً على الأمة الإسلامية.
هذا الموقف الحاد يثير تساؤلات ملحة: ما الذي دفعه لاتخاذ هذا الموقف؟ وهل كان على صواب؟ وهل أودت هذه الأفكار بحياته حقًا؟ سنسعى في هذا المقال للإجابة عن هذه التساؤلات وأكثر، مستعرضين السياق التاريخي لأطروحات الكواكبي، وموقفه من العثمانيين، ثم نتناول فرضية اغتياله.
الكواكبي في عصر "الرجل المريض": بحثًا عن الخلاص
مع بداية القرن السابع عشر، دخلت الدولة العثمانية مرحلة من الضعف السياسي، مما أجبرها على توقيع معاهدات مهينة مع الدول الأوروبية، وفتح الباب أمام التدخلات الخارجية. تفاقم هذا الوضع في القرن التاسع عشر، حتى أصبحت الدولة العثمانية تُعرف دبلوماسيًا بـ"الرجل المريض".
في مطلع القرن الرابع عشر الهجري (القرن العشرين الميلادي)، الذي شهد حكم السلطان عبد الحميد وتغلغل روح القومية في أرجاء الإمبراطورية، وخاصة في بلاد الشام التي كانت الأكثر تأثرًا بالتيارات الفكرية الأوروبية الجديدة. في ظل هذا الضعف، أدرك الجميع حاجة الدول الإسلامية إلى النهوض، لكن اختلفوا حول السبيل الأمثل لذلك.
برزت في القرن التاسع عشر ثلاثة تيارات فكرية رئيسية في المشرق:
-
تيار التغريب: دعا إلى الاقتداء بالحضارة الغربية وقيم الثورة الفرنسية من حرية ومساواة وعدالة، معتبرًا ذلك أمل العرب الأخير في اللحاق بركب النهضة. ومن أبرز رواده رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وبطرس البستاني.
-
تيار العودة إلى الأصول: نادى بالعودة إلى حكم الإسلام في تجلياته الأولى، بعيدًا عن الغلو والانحرافات. شمل هذا التيار حركات مثل السنوسية في ليبيا والوهابية في الجزيرة العربية والسلفية في مصر والعراق. بعض هذه التيارات، كالوهابية، دعت إلى عدم الاعتراف بالخلافة العثمانية وإعادتها للعرب، وهو ما تبناه الكواكبي أيضًا.
-
تيار الإصلاح الإسلامي: لم ينتمِ الكواكبي لأي من الحركات السلفية المذكورة، بل اعتنق نهجًا إسلاميًا إصلاحيًا يدعو إلى الاستعانة بالحداثة الغربية لإعادة البريق للروح الإسلامية. رأى أن السبيل الوحيد لذلك هو إقامة خلافة عربية مميزة تعيد البهاء لدولة الإسلام. سار في هذا الدرب جزئيًا محمد عبده ورشيد رضا، الذي ألهمت كتاباته لاحقًا حسن البنا لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين.
الكواكبي والعثمانيون: صدام الفكر والسلطة
اتخذ الكواكبي موقفًا حادًا من الخلافة العثمانية، وعبر عن ذلك بوضوح في كتابيه "أم القرى" و"طبائع الاستبداد". في "أم القرى"، يقول الكواكبي: "أليس الترك قد تركوا الأمة أربعة قرون بلا خليفة، وتركوا الدين تعبث به الأهواء بلا مرجع، وتركوا المسلمين صمًّا بكمًا عميًا بلا مرشد. أليس الترك قد تركوا الأندلس مبادلة؟ وتركوا الهند مساهلة؟ وتركوا الممالك الجسيمة الآسيوية للروس؟ أما آن لهم أن يستيقظوا ويصبحوا من النادمين على ما فرّطوا في القرون الخالية فيتركوا الخلافة لأهلها والدين لحماته".
واقترح الكواكبي حلًا يتمثل في اختيار خليفة عربي قرشي تكون له السلطة الروحية على جميع المسلمين ومقره في مكة، دون التدخل في الشؤون السياسية. أما إدارة المسلمين فتكون من قِبَل حكومة مقرها دمشق.
لم تكن كتب الكواكبي هي البداية لجفائه مع حكام إسطنبول. فمنذ شبابه، اعتاد كتابة مقالات حادة في جرائد مثل "الفرات" و"الشهباء" و"الاعتدال"، منددًا بحكم السلطان عبد الحميد ومتهمًا ولاته في الشرق بسوء الإدارة، ومحرضًا الناس علنًا على الخروج عن الدولة العثمانية. أدى ذلك إلى إلغاء هذه الصحف، وفرض الرقابة عليه، ثم سجنه لاحقًا. كما أمر السلطان بسحب لقب نقابة الأشراف في حلب من آل الكواكبي ومنحه لآل الصيادي. اضطر الكواكبي بعد ذلك إلى الهرب إلى مصر في سن السابعة والأربعين، اتقاءً لمزيد من الملاحقات القضائية العثمانية. وفي مصر، نقّح كتابيه الشهيرين "الاستبداد" و"أم القرى" وأعاد نشرهما.
تجدر الإشارة إلى أن دعوات "تعريب الخلافة" لاقت ترحيبًا من أبرز حكام الشرق في ذلك الوقت: الشريف الحسين بن علي في مكة، والخديوي عباس حلمي الثاني في مصر. وقد قرب الخديوي عباس الكواكبي منه وأعجب بفكره الذي قد يساعده على انتزاع الخلافة من الأتراك، وكلفه بالسفر إلى الأقطار العربية للاطلاع على أحوالها.
كما لاقت هذه الدعوات ترحيبًا بريطانيًا، حيث كانت بريطانيا تحتل مصر في ذلك الحين. أدرك السياسيون البريطانيون قرب اندلاع حرب عالمية، وأن الدولة العثمانية ستكون حجر الزاوية في أي تحالف عسكري ضد بريطانيا. لذلك، رأت لندن أن إثارة مسألة "الخلافة العربية" سيحرض رعايا دول المشرق ضد تركيا ويشكل ضربة قاصمة لها في ذلك الوقت العصيب.
هل قتله العثمانيون؟ لغز الوفاة المفاجئة
تعددت الروايات حول وفاة الكواكبي، والتي اتهمت السلطان العثماني بدس السم له في القهوة. يروي المفكر السوري محمد كرد علي في مذكراته أن الكواكبي زاره ذات ليلة مع الأديب الدمشقي رفيق العظم، ليخبره أن الخديوي عباس والسلطان عبد الحميد قد تصالحا، وأن الخديوي قرر السفر إلى الأستانة وعرض على الكواكبي السفر معه لمصالحة السلطان. أعرب الكواكبي عن تخوفه من السفر، قائلًا: "ابن عثمان لا تأخذه هوادة فيمن خرجوا عن سلطانه". نبعت هذه المخاوف من مصير جمال الدين الأفغاني، الذي سافر إلى إسطنبول عام 1892، وقضى فيها 5 سنوات رهن الإقامة الجبرية حتى مات "بشكل يدعو للشك". انتهى اللقاء دون قرار، ثم رحل الكواكبي إلى منزله يشعر بـ"وجع في ذراعه ما عرف له تعليلًا". وما هي إلا ساعة حتى طرق ابنه كاظم منزل كرد وهو يصرخ باكيًا: "أبي مات!"
رواية أخرى ذكرها الشيخ صالح عيسى، أحد أصدقائه، أن الكواكبي سافر إلى الخديوي لحضور حفل في الإسكندرية، ثم عاد إلى مقهى كان يجلس فيه بعض أصدقائه. وفي تلك الليلة، اشتكى الكواكبي من "وجع شديد في خاصرته اليسرى". ولما عاد الشيخ صالح إلى بيته فوجئ بطارق يصرخ أمام الباب: "أنا كاظم الكواكبي، إن والدي قد مات".
كما روى الدكتور سامي الدهان، الأديب الحلبي الكبير، الموقف الأخير بتفاصيل متفاوتة قليلًا، لفت انتباهه منها فقرة تقول: "أمر الخديوي بدفن الكواكبي على نفقته الخاصة، وأن يعجل بدفنه".
تواترت روايات أصدقائه الذين رأوا جميعًا أنه مات بأمر من السلطان عبد الحميد. كتب المؤرخ الحلبي الأستاذ الغزي: "كأن وفاته كانت منتظرة؛ لأنها لم يمضِ عليها يوم وأمر السلطان عبد الحميد أحد الصحفيين الموالين له -عبد القادر القباني- بأن يداهم منزل الكواكبي ويستولي على ما فيه من أوراق". لم يستبعد حفيده هذه الفرضية عندما كتب سيرته الذاتية، مشيرًا إلى أن "الخلاص من الكواكبي كان على يد جواسيس السلطان".
ومع ذلك، برّأ العقاد في كتاب له آل عثمان من دم الكواكبي، بعدما رأى أن وفاته جاءت مباغتة وفي وقت مشحون بالغضب على الدولة العثمانية، مما جعل أصدقاءه لا يستبعدون أن تقوم بهذه الفعلة، لكن "تحقيق الخبر للتاريخ لا تكفي فيه مظنة السوء". رجّح العقاد أنه ذهب ضحية "ذبحة صدرية طبيعية"، واعتبر أن هذا التشخيص يؤيده الأعراض الصحية التي أصابته في يومه الأخير، مثل وجع الذراع والألم في الجانب الأيسر، وما رُوي عن إصابته بنوبة قلبية خفيفة تلتها نوبة الوفاة.
أما التفسير الآخر، الأكثر سوءًا للظن، فيرى أن الكواكبي راح ضحية التوافق الذي بدأ يتكون بين الخديوي والسلطان. وأن التضحية به، سواء كانت بأمر من السلطان أو بمبادرة من الخديوي، كانت ضرورية قبل المباحثات الدبلوماسية المرتقبة خلال الزيارة. يستشهد هذا التفسير بسيناريو القبطان العثماني أحمد فوزي باشا، الذي انقلب على الدولة العثمانية وسلم أسطولها إلى محمد علي والي مصر. ظل القبطان أحمد مقيمًا في مصر ومقربًا من الوالي حتى وقع الطرفان صلحًا أعاد بموجبه محمد علي السفن الحربية إلى إسطنبول عام 1841، وهو نفس العام الذي شهد وفاة القبطان أحمد بشكل غامض، ويفترض أن ذلك حدث بفنجان قهوة مسموم.
مهما كانت هوية القاتل، فإن تلك الوفاة المباغتة للكواكبي كانت صاعقة على أسرته، التي عاشت في ضنك شديد بعد رحيله. إلا أن ذلك لم يمنع ابنه أسعد من مواصلة خطى والده القومية العروبية، ولكن هذه المرة عسكريًا. فقد انضم إلى الجيش العربي بقيادة الملك فيصل الذي قاوم احتلال الفرنسيين حتى هُزم في موقعة ميسلون. وهكذا، استمر نسل الكواكبي في محاربة الاستبداد، مرة بالقلم ومرة أخرى بالبندقية.
المصادر:
- كتاب "عبد الرحمن الكواكبي"، عباس محمود العقاد، ص 105.
- كتاب "ديوان النهضة"، الكواكبي، ص 217.
- كتاب "عبد الرحمن الكواكبي وجدلة الاستبداد والدين"، حسين السعيد، ص 38.
- عبد الرحمن الكواكبي، الحفيد سعد زغلول الكواكبي، ص 107.
- "الإصلاح السياسي والوطني في جهود الكواكبي (محور إصلاح الدولة العثمانية)"، دكتور محمد علي الأحمد (بحث).
- "تراث القلق الإسلامي في نهاية القرن الماضي (قراءة في فكر عبد الرحمن الكواكبي)"، إبراهيم بيضون (بحث).
- "رؤية الكواكبي للإصلاح السياسي ونظرته للخلافة العثمانية"، دكتور أحمد فهد الشوابكة (بحث).



