من أشهر موظفي الدولة في العهد الأيوبي الأسعد بن مماتي (بفتح الميم الأولى وتشديد الميم الثانية) وهو كاتب وشاعر ومؤرخ وجغرافي من أهل مصر، عاش في القرن الثاني عشر الميلادي، وترك لنا عديد من المؤلفات في عديد من فروع العلم والأدب. هو أبو المكارم الأسعد بن المُهذَّب (أو ابن الخَطير) بن مينا بن زكريا بن مَمّاتي، ويتضح من اسمه أصوله القبطية، إذ تحولت أسرته للإسلام بعد أن انتقلت من أسيوط للمعيشة في القاهرة، إثر تعيين جده في دواوين الفاطميين، فتوارثوا العمل فيها أبا عن جد. وُلد الأسعد نفسه عام 1149م في القاهرة، ونشأ محباً للفنون ومجالس الشعر والأدب، فكان ذلك تميَُزا لشخصيته التي مالت للسخرية وتفتح القريحة وتحويل أي مشهد درامي غاضب لتهكُّم وسخرية.
وقد شهد عصره تحولا كبيرا في إنتقال السلطة من البيت الفاطمي لبني أيوب القادمين من الشام، ولم يكن هناك مشكلة في تحول ولاء الدواوين والحاشية للسلطان بدلا من الخليفة الفاطمي ووزيره الأكبر. فالسلطان صلاح الدين نفسه قد شغل منصب الوزير الاكبر لفترة كانت كافية لينقل الحكم والسلطة لبيته، وينفرد بهما ويقضي على نفوذ الأسرة الفاطمية في مصر بشكل نهائي!..
وبعد وفاة والده المهذب، تعين ابنه الأسعد في رئاسة ديوان الجيش، ثم أضاف إليه السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي ديوان المال، الأمر الذي يبين ثقة كبيرة في شخصه. وظل الأسعد رئيساً لديواني الجيش والمالية في عهد السلطان، وابنيه العزيز عثمان والمنصور محمد، وأيضا في دولة الملك العادل أخي صلاح الدين، إلى أن استوزَرَ صفيّ الدّين بن شكر، فكان بينه وبين ابن ممّاتي حقد قديم، فأقبل بن شكر يدُسّ عليه، ويُدبِّر له المؤامرات، حتّى نَكَبَهُ، واتهمه باختلاس أموال كثيرة، «ولم يَكُن لهُ وجهٌ، لأنّهُ كان عفيفاً ذا مروءة». فأحال الوزير عليه الأجناد، فآذوه. فترك ابن مماتي منزله واختفى مدّةً في المقابر، حتى هربَ بعدها إلى حلب ذليلاً فقيراً سنة 1208م ليعمل في بلاط صاحب حلب الظّاهر غازي بن صلاح الدين، والذي أكرمه وأجرى عليه معاشاً إلى أن تُوفِي في أواسط عام 1209م، ودُفِنَ بظاهر حلب.
ترك بن مماتي إرثا عظيما من الكتب في الجغرافيا والتاريخ والادب والشعر، فبحكم وجوده في دوائر الحكم والسلطة كان قريبا من كثير من الاحداث راصدا لها بعين خبير. وان كان يغلب العلاقات الشخصية احيانا على الواقع، فقد كان يكره بهاء الدين قراقوش وزير صلاح الدين ونائبه في القاهرة، فألف كتاب (الفاشوش في حكم قراقوش) ليؤرخ لعهده، ولكن بأسلوبه الساخر الفريد، والذي تدخل فيه الخيال أكثر من الواقع فكان سببا في إفساد الصورة الخاصة بالوزير قراقوش في صفحات التاريخ، كما أثرت الذاكرة الشعبية بالكثير من القصص الخرافية عن شخصية قراقوش، أدت لاختراع فن (القراقوز) الذي طاف لاعبوه في الحارات والشوارع، يقدمون قصصا ساخرة على غرار روايات بن مماتي عن الوزير الأكبر. أيضا أرَّخ الأسعد لعهد صلاح الدين وانتصاراته وسلطنته، في كتاب (نُظُم السيرة الصلاحية) ، أما أهم مؤلفاته وأشهرها على الإطلاق فهو كتاب (قوانين الدواوين) الذي يُعتبر موسوعة شاملة لحالة البلاد المصرية في زمنه، القرن الثاني عشر الميلادي، حيث تناول بن مماتي باستفاضة جغرافيتها وشيئاً من تاريخها، وتفصيل نواحيها وقراها وتأصيل أسمائها، وأنظمة الحكم والدواوين والوظائف، وشئون الزراعة وغيرها.
وكان الأسعد موسوعة في الأدب والفقه واللغة، وذكر ياقوت الحموي له ثلاثة وعشرين مؤلفاً في الفقه، والحديث، والتّراجم، واللغة، كما قال عنه القاضي الفاضل: إن ما وضعه الأسعد والله من أهم ما طالعه الملوك.
