مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير: صراع أرهق الأمة!

طارق الشافعي
كتب
0

في أحد طرقات المدينة المنورة، كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يسير، وإذا ببعض الصبية يلعبون. فلما رأوه، هربوا جميعًا إلا واحدًا، وقف على الجانب يرقب سيدنا عمر بنظرات مليئة بالثقة والاحترام. اقترب منه عمر وسأله: "مالك لم تفر مع أصحابك؟" فأجاب الصبي بفصاحة نادرة: "يا أمير المؤمنين، لم أكن في ريبة فأخشاك، وما الطريق بضيق فأوسع لك!" فابتسم عمر وقال: "إن لهذا الغلام شأنًا عظيمًا." ذلك الصبي كان عبد الله بن الزبير.



عبد الله بن الزبير: البداية والنهاية

هو عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي القرشي، من صغار الصحابة الذين ولدوا في العام الأول للهجرة. أبوه هو الزبير بن العوام، الصحابي الجليل من السابقين إلى الإسلام والعشرة المبشرين بالجنة، وأمه أسماء بنت أبي بكر، ذات النطاقين، وعمة أبيه السيدة خديجة أم المؤمنين، وخالته السيدة عائشة بنت أبي بكر أم المؤمنين. نشأ عبد الله في بيت علم وجهاد، فكان فقيهًا كبيرًا وراويًا للحديث عن كثير من الصحابة، كما ورث عن أبيه شجاعة نادرة جعلته من أبرز الفرسان الذين شاركوا في معارك كثيرة، بدءًا من معركة اليرموك وهو في الخامسة عشرة من عمره.


شارك بن الزبير في فتح إفريقية مع جيش عبد الله بن أبي السرح، ثم توجه إلى مصر لغزو مدن الشمال الليبي سنة 27 هـ. وعندما حوصر سيدنا عثمان بن عفان في داره، كان بن الزبير من المدافعين عنه إلى جانب مروان بن الحكم وبني أمية. وعندما اندلعت الفتنة، وقف مع أبيه وسيدنا طلحة ضد سيدنا علي بن أبي طالب، وخرج في معركة الجمل سنة 36 هـ، حيث أصيب وعاد إلى المدينة. وبعد أن تولى معاوية بن أبي سفيان الخلافة، عاد بن الزبير إلى الجهاد والغزوات، فشارك في فتح بنزرت وسوسة في شمال إفريقيا (تونس حاليًا)، كما خرج مع أول جيش يحاصر القسطنطينية سنة 49 هـ.


ولكن عندما تولى يزيد بن معاوية الخلافة سنة 60 هـ، رفض بن الزبير ولايته، وخرج عليه هو والحسين بن علي رضي الله عنهما. وبعد استشهاد الحسين في كربلاء، توجه بن الزبير إلى مكة داعيًا للثورة ضد حكم بني أمية. وعندما مات يزيد أثناء حصار مكة سنة 64 هـ، انفرط عقد الدولة الأموية، فأعلن عبد الله بن الزبير نفسه خليفة للمسلمين، واتخذ من مكة عاصمة له، وبايعه أغلب أهل الحجاز، بينما امتنع بعض الشخصيات مثل عبد الله بن عمر ومحمد بن الحنفية وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم.


انتشرت الدعوة لخلافته في عدة ولايات، ففي العراق دعا له النعمان بن بشير، وفي الشام تولى الضحاك بن قيس الدعوة له في قرى ريف دمشق وحمص وقنسرين. ونجح بن الزبير في السيطرة على الحجاز واليمامة والبحرين والبصرة والكوفة والأهواز، بينما بقيت الشام ومصر والجزيرة الفراتية تحت حكم بني أمية. لكن دولته لم تكن متماسكة، إذ انفصل عنه بعض القادة مثل المختار الثقفي في الكوفة، مما أضعف موقفه أمام الأمويين الذين استعادوا قوتهم وقضوا عليه في مكة سنة 73 هـ.



إعادة بناء العرش الأموي

بعد وفاة يزيد بن معاوية، واجه الأمويون أزمة كادت تعصف بدولتهم، فكان الحل في شخصية مروان بن الحكم، الذي فرض نفسه بحكم سنه وخبرته. كان مروان من أكثر الشخصيات إثارة للجدل، فقد كان أبوه الحكم بن أبي العاص من أشد أعداء النبي صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام، ثم أسلم بعد فتح مكة. في عهد سيدنا عثمان بن عفان، تقرب منه مروان وأصبح كاتبه ومسؤول ديوان الإنشاء.


اشتهر مروان بالمكر والدهاء، وتقول الروايات إنه كان وراء العديد من الفتن، منها حادثة السهم الذي أطلق من دار عثمان وأدى إلى مقتله، وكذلك السهم الذي قتل سيدنا طلحة في معركة الجمل. وفي عهد معاوية بن أبي سفيان، تولى مروان ولاية المدينة، حيث استخدم منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في التحريض ضد بني هاشم. وعندما اندلع الصراع بين يزيد بن معاوية والحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، أشار مروان بقتلهما لإنهاء الخلاف، لكن والي المدينة تردد، مما منحهما الفرصة للفرار إلى مكة.


بعد وفاة يزيد، طرد بن الزبير مروان من المدينة، فذهب إلى الشام حيث وجد التناحر بين أفراد بيت أبي سفيان. اجتمع قادة بني أمية عند باب الجابية وقرروا دعم مروان للخلافة، قائلين: "والله لا تأتينا العرب بشيخ ونأتيهم نحن بصبي!" فأعلن مروان نفسه خليفة، لكن سلطته لم تمتد إلا إلى الشام ومصر والجزيرة الفراتية، بينما بايعت باقي الولايات بن الزبير.


بن الزبير: حجر عثرة في طريق الأمويين

واجه مروان بن الحكم بن الزبير في عدة جبهات. في مصر، أرسل بن الزبير داعيًا له، فخرج مروان على رأس جيش واستولى على الفسطاط، وعين ابنه عبد العزيز واليًا عليها. وفي الحجاز، أرسل مروان جيشًا لضم المدينة، لكن بن الزبير استنفر قواته من البصرة وهزم الأمويين. أما في العراق، فقد حاول عبيد الله بن زياد استعادة البصرة والكوفة، لكنه تراجع عند سماعه بوفاة مروان.



استمرار البيت الأموي

حكم مروان سنة واحدة فقط، لكنه استطاع بدهائه أن يؤسس لخلافة ابنه عبد الملك بن مروان، الذي يعتبر من أقوى حكام بني أمية. ورغم الصورة السلبية لمروان في التاريخ، إلا أنه كان رجل دولة ناجحًا، ترك إرثًا من الأحاديث التي رواها عن كبار الصحابة. كما عُرف عنه العدل في أحكامه، مثل تحديده للصاع بمكيال ثابت. وفي أيام خلافته، حافظ على علاقة طيبة مع الإمام علي زين العابدين بن الحسين.


لكن مروان لم يلتزم بوعده بتولي خالد بن يزيد الخلافة من بعده، بل سعى لتنصيب ابنه عبد الملك. وتقول الروايات إن زوجته أم خالد قتلته انتقامًا، لكن ابنه عبد الملك عفا عنها حفاظًا على سمعة والده كما يقول بن سعد في الطبقات الكبرى. وهكذا استمر حكم بني أمية، ليبدأ عهد جديد تحت خلافة عبد الملك بن مروان، الذي ترك أثرًا كبيرًا في التاريخ الإسلامي.



ختامًا

هذا الصراع بين مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير لم يكن مجرد تنافس على السلطة، بل كان فصلًا من فصول الصراع الذي شهدته الأمة الإسلامية في تلك الفترة، حيث تداخلت العوامل السياسية والعسكرية والدينية في رسم مصيرها. ولعل في هذه الأحداث عبرة لمن يعتبر، ودليل على أن التاريخ لا يُكتب إلا بأقلام الأقوياء، لكنه يبقى ذكرى للأجيال القادمة.

الأقسام :

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)