الفاروق عمر بن الخطاب يستكمل فتوحات العراق والشام

طارق الشافعي
كتب
0

وقف البطريرك صفرونيوس، بطريرك القدس، على إحدى قمم أبراج سور المدينة العتيقة، يرقب بعين القلق طلائع الجيوش الإسلامية التي أحكمت الحصار حول المدينة. كان المشهد أمامه شديد الوطأة، فالإمبراطور هرقل قد آثر الرجوع إلى القسطنطينية، مغادرًا بلا رجعة، وجنود الحامية البيزنطية يتسللون هاربين جماعات بعد أخرى، وما عاد في وسعه أن يصد هذا الزحف المتنامي. فتراءت له في تلك اللحظات أهوال الماضي، حين اجتاح الفرس المدينة قبل عقدين من الزمان، فسلبوا مقدساتها، وامتهنوا حرمتها، وتساءل في نفسه: هل يعيد التاريخ نفسه؟ هل يُسفك الدم في رحاب هذه الأرض المقدسة مرة أخرى؟ وهل تُترك الكنيسة ومقدساتها لقوى لا يعرفها بعد؟ لم يكن أمامه من مفرّ إلا البحث عن مخرج ينقذ به المدينة وأهلها، ويصون به تراثها وأقداسها من أن تؤول إلى المجهول.



خليفة رغم الاعتراضات

هو الفاروق، عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى، العدوي القرشي، من بني عدي الذين كانت لهم اليد العليا في السفارة، وتنظيم الأسواق، وشؤون القبائل العربية. وُلِد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة، وكان في شبابه من أشد الناس عداوة للإسلام، وخصومةً للنبي ﷺ وأصحابه. امتاز عمر بقوة جسده، وطول قامته، وعرض منكبيه، حتى قيل يرى ماشيا كأنه راكبًا، قوي الساعدين لا يقدر أحد على مواجهته في خصام أو نزال. وكان حاد الطبع، سريع الغضب، لا يحتمل الكلمة التي تسيء إليه، فيبطش إن استفزّه أحد، حتى يخاله المرء لا يلين. غير أنه خلف تلك الصلابة يوجد قلب رقيق، يبكي إذا رأى مظلومًا، أو سمع كلمة صادقة تمسّ وجدانه، ومن هذا الباب كان مدخله إلى الإسلام. وقد كان فيما قبل أبعد الناس عنه، فشاء الله أن يكون من أعظم أعمدته، فتحوّل من عدوّ للدعوة إلى سيف مسلول في نصرتها، وكان أول من دعا المسلمين إلى الجهر بإسلامهم، فكان إسلامه هو وحمزة بن عبد المطلب نقطة تحول في مسار الرسالة.



صلى أول صلاة في الحرم علنًا، لا يخشى سطوة قريش، ولما أمر النبي ﷺ أصحابه بالهجرة، خرج عمر متحديًا أشراف مكة عند الكعبة، وأعلن هجرته في وضح النهار
. وكان عمر تاجراً متنقلاً، لا من أثرياء مكة، لكنه من أهل اليسر، ينتمي إلى الطبقة المتوسطة العالية، وكان في المدينة كما كان في مكة: حرًا شريف النفس، كريم السجايا، شديد الولاء للنبي ﷺ، متبعًا خطى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أقرب الناس إلى قلبه بعد رسول الله، وشاركه جميع الغزوات والمواقف الكبرى.


فلما حضرت أبا بكر الوفاة، لم يجد أعظم من عمر يسلم له زمام الأمر، رغم ما كان لبعض الصحابة من تحفظات على شدته، فقد قال عبد الرحمن بن عوف: "إنه شديد غليظ"، وقال عثمان بن عفان: "باطنه خير من ظاهره"، وقال طلحة بن عبيد الله: "إنه سريع الغضب، والحكم يحتاج إلى سكينة". ورغم ذلك، أوصى أبو بكر بخلافته، وأمر الناس بطاعته، وأوصاهم أن يقوموه إن أخطأ، فكانت خلافة عمر أول انتقال سلمي للسلطة في الدولة الإسلامية.


استكمال فتوحات الشام

وكان من أعظم إنجازات الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه استكمال فتوحات الشام والعراق، ذلك المشروع الذي شرع فيه سلفه الصديق، فحمله عمر على منكبيه بكل حزم وعزيمة. ففي بلاد الشام، كانت رايات المسلمين قد انتصرت في معركة أجنادين، وسرعان ما بلغ النبأ الإمبراطور هرقل في حمص، فبعث جيوشًا لتحصين دمشق ومنع المسلمين من التقدم، ثم مضى مع حرسه الإمبراطوري إلى أنطاكية يلتمس فيها مأمنًا من الزحف الإسلامي المتسارع، وإزاء هذا، أطبق القادة المسلمون خالد بن الوليد، وأبو عبيدة بن الجراح، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان الحصار على دمشق، فيما تولّى شرحبيل بن حسنة تأمين مؤخرة الجيش. وكان أول قرار اتخذه الفاروق بعد تسلمه مقاليد الخلافة هو عزل خالد بن الوليد عن قيادة الجيش، وإعادة القيادة إلى أبي عبيدة.




وقد اختلف المؤرخون في أسباب هذا العزل، فمنهم من عَزَاهُ إلى خلاف قديم بين الرجلين، ومنهم من قال إن عمر بلغه أن خالد يتصرف في الغنائم دون الرجوع إلى الخليفة، ومنهم من رأى أن عمر خشي أن يفتتن الناس بخالد، ويظنوا أن النصر لا يكون إلا بوجوده. وأيًا كانت الأسباب، فإن خالدًا تقبّل القرار بصدر المؤمن، وتنازل عن القيادة تواضعًا، وأصبح جنديًا في صفوف جيش الفتح. عاد المسلمون يعيدون انتشارهم، يطاردون فلول البيزنطيين في أرض فلسطين وشرق الأردن، وحققوا انتصارات متوالية في مرج الصفر، وفحل، ومرج الروم، ما جعل قبائل عرب الشام من لخم وجذام وغسان وقضاعة تدرك أن الكفة قد مالت للمسلمين، فآثروا مصالحتهم بدل مناصرة الروم، حفاظًا على وجودهم في ديارهم. وكانت تلك القبائل المفصل الحاسم في كثير من المعارك، إذ زاد عدد جيش المسلمين من دون أن يُرهق الخليفة بطلب المدد، فاشتد الحصار على دمشق.


واصطف القادة على أبواب المدينة: أبو عبيدة على باب الجابية، وخالد على الباب الشرقي، ويزيد على باب كيسان، وعمرو على باب الفراديس، وشرحبيل على باب توما، فانقطعت المدينة عن العالم، ودام الحصار سبعين يومًا، انسحبت بعدها الحامية البيزنطية، وبدأ أهل المدينة يفاوضون المسلمين على الأمان. وفي رجب من السنة الثالثة عشرة للهجرة، وفي ظل شتاء شامٍ بارد، فُتحت دمشق، فاستراح المجاهدون في أفيائها وريفها الأخضر، حتى إذا حلّ الربيع، استأنفوا زحفهم. خرج أبو عبيدة إلى حمص، وسار خالد إلى بعلبك وجبيل وساحل لبنان، وعاد عمرو إلى فلسطين، بينما بقي يزيد في دمشق. أما هرقل، فحين بلغه الأمر في أنطاكية، أرسل جيشين إلى حمص، أحدهما لتحصينها، والآخر لعرقلة تقدم المسلمين. لكن أبا عبيدة سحق الجيش الثاني، فما كان من الجيش الأول إلا أن انسحب قبل أن يُحاصر، ووجد أهل حمص أنفسهم في مواجهة مباشرة مع جيش المسلمين، فما لبثوا أن طلبوا الأمان، فمُنحوه، وعسكر أبو عبيدة في ربوع المدينة، وبعث إلى أمير المؤمنين يعلمه بما تم.


نهاية الروم في الشرق

في أنطاكية، كان هرقل يدرك أن لحظة الحسم قد دنت، فشرع في حشد جيش عظيم بلغ عدده مئةً وعشرين ألف مقاتل، جمعهم من أرجاء إمبراطوريته: من الأرمن واليونان والبلقان والسلاف، وانضم إليهم جبلة بن الأيهم وقوات من عرب الغساسنة. كان يعلم أن هذه هي معركته الأخيرة، فأوكل القيادة إلى أخيه تيودوروس، وأمره بالتوجه إلى دير أيوب قرب نهر اليرموك، حيث منابع المياه والسيطرة الاستراتيجية.




وصل الخبر إلى أبي عبيدة في حمص، فترك جزءًا من جيشه لحمايتها، وتوجه إلى دمشق، واستدعى بقية القادة، وبعث برسالة إلى الخليفة في المدينة يطلب المدد. فاجتمع القادة الأربعة وعقدوا مجلسًا حربيًا، وفيه تنازل أبو عبيدة عن القيادة طوعًا لخالد بن الوليد، قائلاً: "هو الأقدر على قيادتنا في هذا المأزق العصيب". وعلى الفور أمر خالد بالمسير الفوري للسيطرة على مجرى نهر اليرموك، وقبل أن يحتله الروم، كانت جموع المسلمين تتجمع، حتى بلغ عددهم ما بين ستة وثلاثين إلى أربعين ألف مقاتل، نظمهم خالد في أربعة ألوية متماسكة، في سهل فسيح مكشوف أدرك فيه أن النصر أقرب إليهم من حبل الوريد.



اندلعت معركة اليرموك في رجب سنة 15 هـ، وظلت نارها مشتعلة ستة أيام متواصلة من القتال الضاري، أظهر فيها المسلمون من الثبات ما زلزل صفوف البيزنطيين، الذين تكبّدوا خسائر جسيمة، ففقدوا نصف جيشهم بين قتيل وأسير وجريح، ثم انهزم الباقون إلى أنطاكية منهزمين مذعورين. واتمام بعد النصر، انقسمت جيوش المسلمين مجددًا: عاد عمرو إلى فلسطين، وانطلق يزيد لاحتلال جبل لبنان ومدن الساحل، وسار شرحبيل نحو الأردن، واندفع خالد وأبو عبيدة نحو حلب وحماة واللاذقية، حتى بلغوا أنطاكية نفسها في شعبان من السنة ذاتها.


خليفة المسلمين في القدس

أما عمرو بن العاص، فقد كان قد استتب له الأمر في مدن الساحل الفلسطيني، ولم يبقَ بين يديه إلا القدس، المدينة التي تهفو إليها قلوب المؤمنين من النصارى، والركيزة الكبرى في بلاد الشام للبيزنطيين. وكانت قد لجأت إليها جزء غير قليل من بقايا الحاميات البيزنطية، رافضة الفرار إلى أنطاكية، وقد أحكم عمرو الحصار عليها، فبعث إلى القائد البيزنطي "أرتيبون" يعرض عليه الأمان مقابل التسليم، فرد الأخير بالمنجنيق نثرًا للموت من فوق الأسوار، وكان الشتاء قد أقبل بجليده ومطره، فأثقل على المسلمين المعتادين على حر الصحراء. وشن أرتيبون هجمات كرّ وفرّ على المعسكر، فاستنجد عمرو بأبي عبيدة وخالد، وما لبث أن انضمت إليهم بقية الجيوش في شوال سنة 15 هـ، فاشتد الحصار، وأيقن أرتيبون أن المدينة ساقطة لا محالة، ففرّ في جماعة من جنوده إلى مصر سرًا، مخلفًا وراءه البطريرك صفرونيوس. والذي كان قد سمع بعدل الخليفة عمر، فطلب أن لا يُسلّم مفاتيح المدينة إلا له شخصيًا، لا إلى أحد القادة، لما رآه من مهابة الخليفة وصدقه في الوفاء بالعهد. ولما عرض شرحبيل إرسال خالد متنكرًا بزي الخليفة، رفض الطلب، إذ كان خالد معروفًا بين الروم، فاضطر القادة إلى مخاطبة الخليفة ودعوته للحضور. قدم عمر بن الخطاب من المدينة، ومعه خادمه، يركب الجمل تارة ويمشي تارة، فلما اقترب من أسوار القدس، لم يعرف الناس أيهما الخليفة، فقد تشاركا الزاد والراحلة والظل. ودخل عمر القدس في ربيع الأول سنة 16 هـ، وجلس مع البطريرك، وصاغا معًا "العهدة العمرية"، التي أمن فيها الخليفة النصارى على كنائسهم وأرواحهم وأموالهم، وبذلك فُتحت القدس، واكتمل فتح الشام.



الجبهة في العراق

أما في العراق، فكان المثنى بن حارثة في وضع حرج بعد أن سحب خالد نصف جيشه إلى الشام، وكان قد سيطر على مدن على ضفتي الفرات، يريد بها تطويق المدائن، غير أن المثنى أدرك أنه عاجز عن الصمود طويلًا، إذ لم يكن الفرس ساكنين، بل كانوا يبعثون الجيوش تباعًا، وإن كانت خلافاتهم الداخلية تُضعفهم. وذهب المثنى إلى المدينة، حيث كان الخليفة أبو بكر في أيامه الأخيرة، وبعد وفاته، دعا عمر الناس إلى الجهاد، فخرج جيش من ألفي مقاتل بقيادة أبي عبيد الثقفي، وانضم إلى المثنى في الحيرة، وخاضا ثلاث معارك متتالية ضد الفرس خلال تسعة أيام، لكن أبا عبيد قُتل، وفقد المسلمون نصف جيشهم.


فعاد المثنى يستنجد بالخليفة، فوقع اختياره على سعد بن أبي وقاص، وكان في نجد، فاستدعاه عمر، وحشد له جيشًا من اثنين وثلاثين ألفًا، وأرسله إلى العراق في شتاء سنة 14 هـ. وما إن وصل، حتى وجد المثنى قد توفي، فاستقلّ بالقيادة، وكان هذا أكبر جيش مسلم يدخل فارس حتى ذلك الوقت. وأراد سعد أن يبدأ بالدعوة، فأرسل وفدًا برئاسة النعمان بن مقرن إلى كسرى يزدجرد، يدعوه إلى الإسلام، لكن كسرى أساء إليهم وطردهم. فاحتشد جيش فارسي قوامه 120 ألفًا بقيادة رستم، مزودين بسبعين فيلًا استخدموها كما في تقاليدهم الحربية. ودارت رحى معركة القادسية في شعبان سنة 15 هـ، ودام القتال ثلاثة أيام ضارية، وفي اليوم الرابع حسم المسلمون المعركة بقتل رستم، فتفرقت جيوش الفرس، وفرّ يزدجرد إلى مرو. بعدها دخل سعد المدائن، واستولى على قصر كسرى وخزائنه، فبهرتهم الكنوز التي ما خطرت لهم في بال، فحُملت على ثمانين جملًا، وأرسلت إلى بيت المال في المدينة.



نهاية الساسانيين

في مرو، نجح يزدجرد في جمع ثمانين ألفًا من المقاتلين، وأرسل له المسلمون وفدًا بقيادة المغيرة بن شعبة، فحصلت بينه وبين كسرى مناظرة مشهودة، انتهت بطرد الوفد. فخرج يزدجرد لملاقاة المسلمين قرب نهاوند. وفي معركة حاسمة، دامت أربع ساعات، انكسر الفرس، وقتل الآلاف، وسقطت دولة الساسانيين للأبد. سُميت تلك الواقعة بـ"فتح الفتوح"، وكانت في سنة 21 هـ، وبهذا الانتصار، فتحت أبواب بلاد فارس أمام المسلمين، فدخلوا همذان، وأصفهان، والري، وجرجان، وطبرستان، وخراسان، من غير كبير مقاومة.



أسباب النصر

ورغم أن جيوش المسلمين كانت محدودة العدد والعدة، إلا أن النصر كان حليفهم في كل معركة، فكيف تحقق ذلك؟ عللَ مؤرخو العصر العباسي السبب في عقيدة الجهاد، التي جعلت المسلم يُقبل على الموت إقبال العاشق على محبوبه، كما قال خالد بن الوليد: "قوم يحبون الموت كما تحبون الحياة". ، أما الفرس والروم، فكانوا منهكين من حروبهم الطويلة، تتآكلهم الصراعات الداخلية، ويفتقرون إلى الحماسة الروحية، يدافعون عن قصور ملوكهم لا عن عقيدة. فوق هذا، كانت نظرتهم المتعالية إلى العرب سبب هلاكهم، إذ لم يأخذوا الخطر بجدية حتى وجدت جيوش العرب في عقر دارهم. وهكذا، سقطت أعظم قوتين في الشرق أمام جيش العقيدة، وامتدت رقعة دولة الإسلام في عهد عمر أضعاف ما كانت عليه في عهد الصديق، فكان لا بد من تطوير نظام الدولة الإداري ليتناسب مع هذا الاتساع الهائل في الأرض، والسكان، والخراج.

الأقسام :

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)