أبو بكر الصديق: بداية عصر الفتوحات الإسلامية

طارق الشافعي
كتب
0

في رحاب المدينة المنورة، حيث يفوح عبق النبوة، جلس خليفة المسلمين أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، في رحاب المسجد، يحيط به ثلة مباركة من صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعد أن أدوا صلاتهم بخشوع وسكينة. وبينما هم جلوس، أقبل عليهم فارس من أرض الشام يحمل رسالة من القائد عمرو بن العاص، يصف فيها تفصيلاً دقيقاً الأوضاع هناك، ويلتمس المشورة ، وطوى الصديق، رضي الله عنه، الرسالة، ثم وجه بصره إلى الحاضرين يسألهم عن خالد بن الوليد، وعن أحوال الجند في أرض العراق. فتعجبوا من سؤاله، قائلين: "الرسالة من الشام لا من العراق يا خليفة رسول الله،!" ، فأطال الصدِّيق النظر فيمن كلمه، ثم قال قولته الخالدة التي تدل على بعد نظره وحنكته: 

"والله لأُنسيَنَّ الرُّوم وسَاوس الشَّيطان بخَالد!" 


الجمع الأول للقرآن الكريم: إنجاز خالد في التاريخ

إن من أجلّ إنجازات أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، وهو أول الخلفاء الراشدين، تنظيمه لشؤون الدولة الناشئة. فقد أرسى دعائمها وأقام أركانها، وكان على رأسها الخليفة الذي بيده مقاليد الأمور، يسير شؤون الحكم، ويعين عمال الولايات ويعزلهم، ويقيم العدل بين الناس، ويدير بيت المال، ويجبي الجزية والخراج من الرعية، وينفق الصدقات على فقراء المسلمين، فضلاً عن قيادة الجيوش ونشر الدعوة في ربوع الأرض.

واختار الصديق، رضي الله عنه، من بين صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أكفاء يعتمد عليهم في شتى المهام. فولى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قضاء المدينة، وأبا عبيدة بن الجراح، رضي الله عنه، إدارة بيت المال، وزيد بن ثابت، رضي الله عنه، استقبال الرسائل وكتابتها، فإن غاب، أناب عنه علي بن أبي طالب أو عثمان بن عفان، رضي الله عنهما. واتخذ من الصحابة مجلسًا للمشورة، لا يبت في أمر إلا بعد الرجوع إليهم، وسماهم "أهل الحل والعقد".

وقسم الصديق، رضي الله عنه، الجزيرة العربية إلى اثنتي عشرة منطقة أو ولاية، وعين على كل ولاية أميرًا أو عاملاً يتمتع بصلاحيات الخليفة في تسيير شؤون الحكم، وعين معه عاملين آخرين، أحدهما للقضاء والدعوة، والآخر للخراج، يجبي الأموال ويسلمها إلى بيت المال في المدينة، عاصمة الخلافة. وهذا النظام هو الذي سار عليه الخلفاء الراشدون من بعده. ومع اتساع رقعة الدولة، ازدادت المهام والمسؤوليات، وتعدد الموظفون.

ولعل من أعظم إنجازات الصديق، رضي الله عنه، على الإطلاق، جمعه للقرآن الكريم لأول مرة في كتاب واحد. فحتى ذلك الوقت، لم يكن القرآن الكريم مجموعًا في كتاب واحد أو مصحف كما هو بين أيدينا اليوم، وإنما كان مكتوبًا على رقاع متفرقة، من جلد الماعز أو الأغنام، كبيرة كانت أم صغيرة، يجففونها ويدبغونها ويصقلونها، ثم يكتبون عليها بعض الآيات، أو السورة كاملة إذا اتسعت الرقعة لذلك. 

إضافة إلى ذلك، كان القرآن الكريم محفوظًا في صدور الكثير من المسلمين، الذين حفظوه كاملاً لكثرة صلاتهم مع النبي، صلى الله عليه وسلم. ولكن، في حروب الردة، ولا سيما في معارك اليمامة، استشهد عدد كبير من هؤلاء الحفاظ، الأمر الذي أقلق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فطلب من أبي بكر، رضي الله عنه، أن يشكل لجنة مهمتها جمع القرآن في كتاب واحد، وترتيب سوره وآياته. فعجب الصديق، رضي الله عنه، من طلبه، وقال: "كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟" ، فأجابه عمر، رضي الله عنه: "في زمن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان القرآن ينزل متفرقًا، ولو جمعه حينها، لكان كلما نزلت آية جديدة عدل في ترتيب الآيات، وهذا يسبب اللبس. والأولى أن نجمعه بعد تمام نزوله." فاستحسن أبو بكر، رضي الله عنه، رأي عمر، رضي الله عنه، وأمر بإحضار زيد بن ثابت، رضي الله عنه، وهو صحابي من الأنصار، شاب مثقف يقرأ ويكتب ويتكلم العربية والسريانية والعبرية، وكان من حفظة القرآن ومن كتبة الوحي للنبي، صلى الله عليه وسلم. 

وكلفه الصديق زيد بن ثابت ، رضي الله عنه، بجمع القرآن في كتاب واحد. واتبع زيد أسلوبًا دقيقًا في جمع الآيات، فلم يعتمد على الحفظ وحده، بل طلب من كل من عنده آيات مكتوبة من القرآن أن يأتي بها. واعتمد على شهادة الحاضرين، والآيات المكتوبة، وترتيب الآيات والسور وفقًا للعرضة الأخيرة التي تمت في نهاية حياة النبي، صلى الله عليه وسلم، والتي كان زيد بن ثابت، رضي الله عنه، حاضرًا لها. وبهذا الأسلوب المحكم، أنجز مهمته بنجاح. وهكذا، جُمع القرآن الكريم كاملاً مكتوبًا في كتاب واحد، سلمه زيد بن ثابت، رضي الله عنه، إلى أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، في جمع من الصحابة، ليطمئن الجميع ويتأكدوا من صحة الآيات وترتيبها، حفظًا وكتابة وإجماعًا. 


فتوحات العراق: صفحة جديدة في التاريخ

ومع انتهاء حروب الردة، رأى الخليفة أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، أن هناك حاجة ملحة لأمر عظيم يشغل قبائل العرب، ذلك أن حروب الردة خلفت وراءها مصابين وقتلى في كل قبيلة، ورغم أن الحرب قد انتهت أو هدأت نسبيًا، إلا أن نار الثأر كانت لا تزال مستعرة تحت الرماد. والثأر، كما هو معلوم، كان له اعتبار كبير بين القبائل، وكان من شأنه أن يشعل فتنة عظيمة. لذلك، كان لا بد من إشغال هذه القبائل بأمر يستوعب طاقتها الكامنة.

وفي هذه الأثناء، قدم على أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، المثنى بن حارثة، أو "فارس بني شيبان" كما يصفه المؤرخون، وكلمه عن غزو أراضي العراق. وكانت بنو شيبان قد واجهت الفرس في مواجهات عديدة من قبل، وانتصرت عليهم في معركة ذي قار سنة 610 م، فضلاً عن الضعف الذي كان يعتري الحكومة المركزية الفارسية بعد هزيمتها من البيزنطيين سنة 628 م (وهي الحرب التي تمت الإشارة إليها في سورة الروم)، والفوضى الداخلية التي كانت تعم بلادهم. فرأى أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، أن في ذلك الأمر العظيم الذي يستوعب قبائل العرب جميعًا، فالذي لا يخرج لثواب الجهاد، سيخرج لنصيبه في الغنائم، وبهذا ينشغل الناس عن الثأر الذي بينهم، وينصرفون إلى ما هو أهم. ولأن قوات المثنى وحدها لم تكن كافية لمواجهة الفرس، سأل أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، عن خالد بن الوليد، هل أنهى معارك اليمامة أم لا يزال؟ فقالوا له: "انتهى منها وهو الآن يتزوج." فقال: "ليتركها ويأتي مع الجنود الذين معه!" وبعث به إلى المثنى بن حارثة، ومعه رسالة يقول فيها: "خالد هو أمير الجند، وأنت المستشار الأول، ووجهتكم الأولى هي الحيرة." 

وبعد أن رصد الفرس التحركات العربية في أراضيهم، خرج هرمز والي العراق الفارسي في عشرين ألف جندي لمواجهة الغزاة في منطقة كاظمة (وهي حاليًا جزء من أراضي الكويت). وكان الفرس يستخدمون أسلوبًا قتاليًا خاصًا بهم، يعتمد على سلاسل ضخمة يمسك بها الجنود وهم على ظهور الخيل، فيكتسحوا بها صفوف جنود المشاة من الأعداء، فيوقعوا فيهم الفوضى، ثم ينقضوا عليهم ويفتكوا بهم. وهذا الأسلوب القديم استخدمه الهنود والفرس في معاركهم، ولاحقًا استخدمه المغول. 

وما إن رأى خالد بن الوليد، رضي الله عنه، قوات الفرس من بعيد، حتى أدرك نقطة ضعفهم، وهي بطء حركتهم بسبب الدروع التي يرتدونها، والسلاسل الضخمة التي يتحركون بها. فقرر أن يناور أولاً قبل الاشتباك، فكان يغير مكانه، وهم يتحركون وراءه، حتى إذا أنهكهم تمامًا، انقضت قواته عليهم بخطة الكماشة العسكرية، فقتل هرمز قائد الجيش الفارسي، ودبت الفوضى في صفوف الجنود، وكانت الهزيمة قاسية. وتسمى هذه المعركة "ذات السلاسل"، ووقعت في شهر المحرم من السنة الثانية عشرة للهجرة، وكانت بداية انتصارات المسلمين في العراق. 

وبعد ذلك، خاضت قوات خالد بن الوليد، رضي الله عنه، أربع معارك متتالية خلال شهرين، انتصر فيها جميعًا، وأحرزت تقدمًا في الأراضي الفارسية، حتى وصلته أنباء بتجمع جيش فارسي كبير، يبلغ ضعف جيش هرمز تقريبًا. فواجههم في ثلاث معارك متتالية خلال شهر واحد، وبذلك أصبح الطريق إلى طيسفون أو المدائن مفتوحًا أمام خالد وقواته. ولكن قبل أن يهجم عليها، قرر خالد أن يتخلص أولاً من أي قوات حدودية يمكن أن تهدد أي حصار على المدينة، وهذا يدل على عبقرية خالد العسكرية التي أرعبت كل من سمع بتحركه بقواته. وخلال شهرين، حققت قوات خالد المزيد من الانتصارات على القوات الفارسية، أهمها معركة الفراض في تخوم الجزيرة الفراتية، والتي وقعت في ذي القعدة من نفس السنة، وكانت نهاية حروب خالد بن الوليد، رضي الله عنه، في العراق. 


جيوش الشام: انطلاق الفتح

عندما خرج خالد بجيشه إلى العراق، سأل أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، عن بقية القادة، عمرو بن العاص وأبو عبيدة بن الجراح وغيرهم: "أين هؤلاء القادة؟ وهل انتهوا من المعارك أم لا يزالون؟" ، فقالوا له: "انتهوا منها، وبعضهم لم يعد بعد، مثل خالد بن سعيد بن العاص، كان في مشارف الشام." فقال أبو بكر الصديق، رضي الله عنه: "حسن جدًا، اجمعوا هذه القوات!" ، وكون منها خمسة جيوش لغزو الأراضي البيزنطية وحلفائهم في بلاد الشام، وحدد لكل جيش وجهته. 


  • الجيش الأول: وكان قوامه سبعة آلاف مقاتل، بقيادة يزيد بن أبي سفيان، ووجهته دمشق، عن طريق وادي القرى ثم تبوك ثم الجابية.
  • الجيش الثاني: وكان قوامه أربعة آلاف جندي، بقيادة شرحبيل بن حسنة، ووجهته بصرى، عن طريق معان والكرك والبلقاء.
  • الجيش الثالث: وكان قوامه أربعة آلاف جندي، بقيادة أبي عبيدة بن الجراح، ووجهته حمص، عن طريق وادي القرى والحجر وموآب والجابية.
  • الجيش الرابع: وكان قوامه سبعة آلاف جندي، بقيادة عمرو بن العاص، ووجهته فلسطين ومدينة إيليا أو القدس، عن طريق ساحل البحر الأحمر إلى العقبة، ومنها إلى وادي القرى والبحر الميت.
  • الجيش الخامس: وكان قوامه ستة آلاف جندي، بقيادة عكرمة بن أبي جهل، وأمره بالتعسكر على أطراف المدينة، ليكون قوة احتياطية أو حماية للجيوش الأربعة، أو مددًا لها إذا احتاجت.


وخرجت الجيوش الأربعة خلال ستة أشهر، من رجب إلى نهاية ذي الحجة من السنة الثانية عشرة للهجرة، وأوصاهم أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، أن من يحتاج إلى مدد، يطلب أولاً من الجيش الثاني (الأقرب إليه إذا سمحت ظروفه)، وإلا فيطلب منه شخصيًا. وإذا اجتمعت الجيوش الأربعة، تكون القيادة العامة لأبي عبيدة بن الجراح، والأمر بينهم شورى. وأوصاهم بوصايا النبي، صلى الله عليه وسلم: "لا تقتلوا شيخًا ولا امرأة ولا صبيًا، ولا متعبدًا في صومعة، ولا تقطعوا شجرًا ولا تهدموا بناءً، ولينوا لجنودكم ولا ترهقوهم ما لا طاقة لهم به، وإياكم والغدر أو الفرار من القتال، ولا تبادروهم إلا أن تدعوهم إلى الإسلام." ثم قال لهم: "اغزوا بسم الله، وعلى بركة الله، وقاتلوا الذين كفروا في سبيل الله." 


الروم يتحركون: المواجهة الحاسمة

عندما وصلت الجيوش الأربعة إلى مشارف الشام، رصدتهم عيون البيزنطيين، فأرسلوا الخبر إلى الإمبراطور هرقل، الذي كان في حمص آنذاك. فظن هرقل أن هؤلاء مجرد هجوم من عرب البادية، وقوات متفرقة، ولا داعي للقلق. وكان للبيزنطيين في الشام جيشان، الأول في فلسطين، وكان قوامه أربعين ألف جندي، معظمهم من موالي الروم، من الغساسنة وعرب بادية الشام، وجزء من الأرمن واليونانيين. والجيش الثاني في الشمال، ناحية أنطاكية وحلب، وكان قوامه ثمانين ألف جندي، وأغلبه من الأرمن واليونانيين. 

فقال هرقل: "دعوا الجيش الثاني احتياطيًا، وأرسلوا إليهم الجيش الأول، ليواجههم كتيبة كتيبة، ولا يجتمعوا، حتى تقضوا عليهم بسهولة." ، وعندما وصلت هذه الأخبار إلى حاكم غزة الروماني، وكان اسمه سرجيوس، استعجل وخرج بقوات قوامها ثلاثة آلاف جندي، ليواجه قوات يزيد بن أبي سفيان، الذي انتصر عليه في معركتين متتاليتين في نهاية شهر ذي الحجة، لتكون باكورة انتصارات المسلمين في معارك فتح الشام. 

وفي مرج الصّفر جنوب دمشق، حشد البيزنطيون قوات الغساسنة وتنوخ ولخم وجذام، قبائل العرب الموالية للروم، لمواجهة قوات المسلمين إلى جانب قواتهم النظامية. ولما سمع عمرو بن العاص بزحف جيش الروم وعددهم وتسليحهم، أشار على أبي عبيدة بن الجراح بتوحيد الجيوش ومواجهة الروم بقوات وقيادة موحدة. فأرسل أبو عبيدة إلى أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، في المدينة يستشيره ويطلب منه المدد. فلما وقف أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، على حقيقة الموقف، قال: "الوحيد الذي يقدر على إخراج المسلمين من هذا الموقف هو خالد بن الوليد، يترك نصف جيشه في العراق، ويخرج بالنصف الآخر إلى الشام. ومن المدينة، أرسلوا إليهم عكرمة ومن معه." وبعث برسالة إلى أبي عبيدة بن الجراح، رضي الله عنه، يقول فيها: "إني أرسلت إليكم خالدًا من العراق، فليكن هو القائد العام، وأنتم جميعًا معه. وليس قصدي أنه كقائد أفضل منكم، ولكن في هذا الوضع، هو الوحيد الذي يعرف كيف يقودكم جميعًا إلى النصر".

وامتثل القادة جميعًا لأمر الخليفة، وخرج خالد بن الوليد، رضي الله عنه، من العراق في شهر صفر من السنة الثالثة عشرة للهجرة، واجتاز الصحراء التي بين العراق والشام في ثمانية أيام، حتى وصل إلى تدمر، ومنها إلى بصرى. وهناك، وجد جيوش أبي عبيدة وشرحبيل ويزيد. وعلى مسافة منهم، كان جيش عمرو بن العاص في مواجهة جيش الروم بقيادة تيودورس أخو الإمبراطور هرقل. فقرر خالد سرعة التحرك لنجدة عمرو ومن معه قبل أن يفترسهم الروم. ولكن قبل أن يتحركوا، شددوا الحصار على بصرى حتى طلب أهلها الأمان، فكانت أول مدينة تخضع للجيوش العربية صلحًا، وأول مدينة تدفع الجزية في عهد أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، كما يذكر البلاذري في فتوح البلدان. 


معركة أجنادين: صفحة فاصلة في التاريخ

ولكي يهرب عمرو بن العاص، رضي الله عنه، من البيزنطيين، تراجع بقواته إلى موقع بين الرملة وبيت جبرين. وقبل أن تصل قوات الروم، وصلت قوات خالد بن الوليد وباقي الجيوش الأربعة. وفي جمادى من السنة الثالثة عشرة للهجرة، دارت معركة من أشرس المعارك بين الفريقين. وكان القتال في ميدان مفتوح، مما شجع قوات المسلمين على المناورة والإيقاع بأعدائهم. وفي غضون ساعات قليلة، انهزمت قوات البيزنطيين، وقتل منهم الكثير، ووقع بعضهم في الأسر، وانسحب معظمهم بشكل عشوائي، وطاردتهم قوات المسلمين في العديد من القرى المحيطة، وكانت فرصة لاحتلال هذه القرى، ونشر قواتهم فيها. وأدرك الروم بعد ذلك أن مواجهة جيش المسلمين في الأماكن المفتوحة لا تجدي نفعًا، فانسحبت قواتهم من العديد من قرى فلسطين ومناطق شرق الأردن. ولما وصلت الأخبار إلى هرقل في حمص، أرسل قوات من الجيش الثاني لتحصين دمشق، وتراجع هو مع قوات الحرس الإمبراطوري إلى أنطاكية، ليصبح في أمان. ولما وصلت الأخبار إلى المدينة، استبشر المسلمون خيرًا، وتشجع الكثير منهم على المشاركة في المزيد من المعارك.


نهاية خليفة رسول الله: رحيل القائد المؤسس

وبعد هذه المعركة بأقل من شهر، اشتد المرض على أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، وثقل، فلم يعد قادرًا على القيام. ورقد في بيته خمسة عشر يومًا، وأوصى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أن يصلي بالناس بدلًا منه. ولما أحس بدنو أجله، جمع أصحابه من أهل الحل والعقد، وطلب منهم أن يختاروا خليفة من بعده. فقالوا له: "رأينا هو رأيك يا خليفة رسول الله، فمن توصي؟" فأوصى بالخلافة لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وطلب منهم أن يبايعوه ويسمعوا كلامه بلا جدال. فوافق الجميع وبايعوه واحدًا واحدًا، وفي صلاة الجمعة، نشروا الخبر بين المسلمين، وخرجت الرسائل إلى عمال الولايات. فكان ذلك أول انتقال سلمي للسلطة في دولة الخلافة، وثاني أسلوب لانتخاب الخليفة، الأول كان الاختيار من بين أكثر من مرشح، والثاني هو الوصية لشخص بعينه، وموافقة أهل الحل والعقد. وأوصى أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، أن يُدفن بجوار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في حجرة عائشة، رضي الله عنها، وأن ينزلوا برأسه في مستوى كتف النبي، صلى الله عليه وسلم. 

وتوفي أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، عن عمر يناهز الثالثة والستين عامًا، وكانت فترة حكمه سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام، كما يذكر الطبري في تاريخه، وعنه نقل كل من جاء بعده. فكانت فترة خلافته، رغم قصرها، كافية لإقرار الأمن والسلام في ربوع الجزيرة العربية، وبداية حركة الفتوحات في العراق والشام. 

وكان من أهم ألقابه التي سماه بها النبي، صلى الله عليه وسلم، "الصديق"، لأنه أول من صدقه من الناس، و"العتيق" كونه عتيق الله من النار، و"الأواه" كونه رقيق القلب يجهش بالبكاء من خشية الله. ومن ألقابه في القرآن الكريم، "الصاحب"، لقوله تعالى: {إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا}، و"الأتقى" لقوله تعالى: {وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى}. رحم الله أبا بكر الصديق، ورضي عنه، وجزاه عنَّا وعن أمته خير الجزاء. 

الأقسام :

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)