من اكثر الشخصيات المثيرة للجدل في التاريخ المصري الحديث الفريق عزيز المصري والمعروف بأسم " أبو الثوار " والذي اعتبره البعض نموذجا من الأبطال نادر الوجود، وعاش بأخلاق وسلوكيات الفرسان في تعامله مع كل من عاشرهم وتعامل معهم ..
من مواليد القاهرة عام 1879 سافر للاستانه لدخول الكليه الحربية، وتخرج ضابطا بالجيش العثماني، ورافق مصطفى كمال وجماعة القوميين في ثورتهم ضد السلطان عبد الحميد الثاني، فصدر ضده حكم بالإعدام قبل الحرب العالمية الأولي وعقب الانقلاب على السلطان وعزله، لكن الرأي العام المصري وقف معه بقوة فاضطرت حكومة السلطان لإلغاء الحكم بشرط مغادرة اسطنبول في الحال، ليظل عزيز المصري علي رأس القائمة السوداء حتي عاد إلي مصر وعهد إليه السلطان حسين كامل بإدارة مدرسة البوليس عام 1916 وكان أول من طلب الاستعانة بالكلاب البوليسية لتقصي اثر المجرمين .. وفي 1934 ونظرا لشدته وحزمه، وقع اختيار الملك فؤاد عليه ليرافق الأمير فاروق في بعثته لانجلترا، ليكون رائدا ومعلما للامير ويشرف على اعداده عسكريا من خلال إتباع النظم والأوامر التي تهئ الإنسان لتحمل الشدائد، وكان الملك فؤاد علي ثقة تامة في عزيز المصري، لمصداقيته التي ليس لها حدود. ولكنه لم يتمكن من أداء رسالته نتيجة تدخل بعض العناصر من الحاشية المرافقة لفاروق فانعدمت لغة الحوار بينهما وعاد إلي مصر وانتهت علاقتهما بعدم الاستلطاف، علي حد تعبير الأمير فاروق، والذي زاد العلاقة سوأ أن التقارير التي كان يكتبها عزيز المصري عن سلوكيات فاروق وعدم التزامه في بريطانيا قرأها بالكامل بعد وفاة والده وعودته إلي مصر الأمير فاروق حيث كانت محفوظة بمكتبه الخاص ..!
امتلك عزيز المصري نفسا ثائرة، رافضة للاحتلال البريطاني وتتطلع للخلاص منه والتعاون مع اعدائه، فقبل ان يتعاون مع المخابرات الالمانية في زعزعة الجبهة الداخلية لقوات الاحتلال في مصر، في عهد وزارة علي ماهر تم تعينه رئيسا لأركان حرب الجيش المصري فكان ذلك تحدي لبريطانيا وسفيرها في مصر مايلز لامبسون، حيث عمل المصري مع الوزير صالح حرب مما جعله يصطدم بنفس المعوقات ويجمد عزيز المصري ويحد من صلاحياته. ويبدأ الانجليز في إبعاد عزيز المصري ونقله مديرا لسلاح الحدود لكنه يرفض المنصب وتتأكد بريطانيا أن الرجل أصبح يشكل تحديا خطيرا فيضغط السفير البريطاني لامبسون لإقصائه بسرعة، فعزيز المصري له نشاط كبير في دعم الثوار وقد قام بزيارة ألمانيا النازية حين اشتعلت الحرب العالمية الثانية، كما كان له دور هام في دعم الجواسيس الألمان ضد الجيش البريطاني ، ما عُرف إعلاميا بقضية حكمت فهمي الراقصة، وبعد مضي أسبوعين فقط من تشكيل وزارة علي ماهر تعلن الأحكام العرفية وفقا لمعاهدة 36 ..
وفي فبراير عام 1941 يطلب السفير عزل عزيز المصري بعد هجوم رومل المباغت وسقوط بني غازي وذلك لان الجنرال "ستون" طلب من الفريق عزيز المصري توجيه الجيش المصري إلي سيوه لمواجهة قوات المحور من الجنوب وترك المنطقة الساحلية في عهدة الجيش الانجليزي فيرفض عزيز المصري لان الجيش لم يمتلك أي مدرعات ثقيلة يستطيع أن يواجه بها المدرعات الألمانية ومدفعية رومل. وقال للجنرال ستون أن مرسي مطروح لن تصمد أمام رومل أكثر من 24 ساعة، ومن الأسلم عسكريا تامين دفاعه وأشار علي الخريطة لمنطقة العلمين وقال : " ركز دفاعك هنا فهذه المنطقة هي عنق الزجاجة في الصحراء إذا حصنتها فلن يتمكن رومل من اقتحامها .. "، وهو ما حدث بالفعل بعد عام واحد، حين تولي منتجومري وأحرز انتصاره في معركة العلمين الشهيرة" .. وفي فبراير عام 1941 منح عزيز المصري إجازة ثم أحيل إلي المعاش حيث ساهم عزيز المصري في أعداد وتنظيم وتوجيه عمليات المجاهدين المصريين في فلسطين عام 1948، كما أقترح خطة" توحيد الجبهه" لرد العدوان الثلاثي عن منطقة السويس عام 1956 .. وانتهى به المطاف انه توفي وحيدا في منزله في 15 يونيو 1965 .. وتم تكريمه بعد وفاته بإطلاق أسمه علي أحد شوارع القاهرة وهو شارع "جسر السويس" ليحمل أسم "الفريق عزيز المصري" ..
أعتبره الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والضباط الأحرار الأب الروحي لهم، وأعتقل وسجن وحددت أقامته في مصر من قبل سلطات الأحتلال الأنجليزي عدة مرات .. كما قال عنه الرئيس السابق أنور السادات : كان لكلمة الإيمان اثر عميق في نفسي فقد كنت ابحث عن الإيمان وأؤمن انه المخرج الوحيد من الحيرة التي كان المصريون يعيشون فيها.. كان الرجل يتحدث بانفعال في خطبته التي ألقاها عام 1938 أمام طلائع الجيش المصري حتي كدت ابكي، وعندما هممت بالانصراف قال لي : إن كان معك خمسة أفراد مؤمنين فانا مستعد أن احمل مسدسي وأتقدمكم لعمل أي شئ لإنقاذ مصر ..
