مروان بن الحكم: دهاء السياسة وصراع العروش

طارق الشافعي
كتب
0
في رحاب التاريخ، حيث تتلاطم أمواج الزمن بأحداثه الجسام، تبرز شخصياتٌ كالنجوم اللامعة، تُضيء سماء الماضي بحنكتها ودهائها. ومن بين هذه الشخصيات، يطلُّ علينا مروان بن الحكم، الرجل الذي حمل على كاهله عبء إنقاذ دولة بني أمية من براثن الانهيار، فكان بحقٍّ أحد أبرز صنّاع التاريخ الإسلامي.

وُلد مروان بن الحكم في عام 623م، في زمنٍ كانت فيه الجزيرة العربية تشهد تحولاتٍ جذرية، من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام. لكن مروان لم يكن مجرد شاهد على هذه التحولات، بل كان فاعلًا رئيسيًا فيها، حيث ارتقى ليصبح أحد أركان الدولة الأموية، بل ومؤسس سلالتها الثانية التي حكمت العالم الإسلامي لعقود طويلة. ولقد جاءت خلافة مروان في لحظةٍ حرجة، كادت فيها الدولة الأموية أن تتهاوى تحت وطأة الصراعات الداخلية والفتن. فبعد وفاة معاوية بن يزيد، الشاب الزاهد الذي تنازل عن الخلافة لضعفه، وجد بنو أمية أنفسهم على شفا الهاوية. وفي خضم هذه العاصفة، برز مروان كقائدٍ حكيم، يجمع بين دهاء السياسة وحكمة الشيوخ، فاستطاع أن يعيد توحيد الصفوف ويقود سفينة الدولة إلى برّ الأمان.

في اجتماع "الجابية" التاريخي، حيث اجتمع كبار بني أمية ليقرروا مصير الخلافة، كان مروان هو الخيار الأوحد. فقد اتفقوا على مبايعته خليفةً، مع وضع شروطٍ لولاية العهد من بعده. لكن مروان، بذكائه الذي لا يُشق له غبار، استطاع أن يتلاعب بهذه الشروط لصالحه، مقدّمًا ابنيه عبد الملك وعبد العزيز على خالد بن يزيد وعمرو بن سعيد. وهكذا، كان مروان دائمًا سابقًا لأحداثه، ينسج خيوط المؤامرات ببراعة، ويحقق أهدافه دون أن يترك للخصوم فرصة للرد. لكن التاريخ، كما هو دائمًا، لا يرحم. فبعد أن أنقذ مروان بني أمية من الانهيار، جاءت نهايته مأساوية، حيث لقي حتفه على يد زوجته، التي لم تتحمل إهانته لابنها خالد. وهكذا، سقط الرجل الذي بنى دولةً بدهائه، ضحيةً لصراع العروش الذي كان هو نفسه أحد أبطاله.

بعد وفاة مروان، تولى ابنه عبد الملك الخلافة، ليكمل مسيرة أبيه في توطيد أركان الدولة الأموية. أما خالد بن يزيد، فقد اختار طريق العلم، تاركًا وراءه صراعات السياسة التي لم يكن يطمع فيها أصلًا. وهكذا، تُختتم قصة مروان بن الحكم، الرجل الذي جمع بين العظمة والمأساة، بين الإنقاذ والسقوط.

في النهاية، تبقى شخصية مروان بن الحكم شاهدةً على أن التاريخ ليس مجرد سردٍ للأحداث، بل هو أيضًا صراعٌ بين العبقرية والضعف، بين الدهاء والغدر. فكان مروان بحقٍّ أخطر رجل في دولة بني أمية، ترك بصمته على صفحات التاريخ، ليُذكر عبر العصور كواحدٍ من أعظم صنّاعه.
الأقسام :

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)