تحدثنا فيما مضى عن اهمية زيارات الرحالة للمدن المصرية، لأنها تنقل لنا صورة تفصيلية للأماكن في هذا العصر في زمن ما قبل اكتشاف التصوير الفوتوغرافي او السينمائي، فنرى الصورة تتكون في رأس الكاتب وينقلها لنا بكلمات بديعة، لترى فيها طبيعة العصر من وسائل وحضارة. واليوم نتحدث عن الرحالة الأندلسي ابو الحسن بن محمد بن جبير (ت 1217م) والذي سبق وتحدثنا عنه من قبل، قد زار مصر نهاية العصر الفاطمي واوائل العصر الأيوبي، ونقل لنا خطبة الجمعة التي اسقطت الخلافة الفاطمية واعلنت العودة للواء العباسيين بالقاهرة. واليوم نشاهد سويا الأسكندرية بعينيه اثناء زيارته لها عام 1182م.. خليكو معانا..
ابن جبير في الإسكندرية
كان لهذه
العناية الملحوظة التي اولاها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب على ثغر الأسكندرية
أثرها البالغ في تقدم المدينة ورفاهية اهلها وازدياد عمرانها ونشاطها التجاري
والأقتصادي داخليا وخارجيا، يقول ابن جبير:
«إنا ما شاهدنا أوسع مسالك (طرق) من مثيلتها بالأسكندرية ولا اعلى مباني منها ولا أعتق ولا احفل من دروبها الجانبية. ومن العجيب ان مبانيها يجري ماء النيل اليها من تحت الأرض، فتتصل ابارها بعضها ببعض ويمد بعضها بعضا..»
وهو طبعا يقصد
نظام التغذية بالمياه العذبة والذي اشتهرت به الإسكندرية منذ العصر البطلمي، فيحكي
المؤرخون ان الصهاريج كانت كثيرة وكان لها قنوات فخارية تحمل إليها الماء من ترعة
الفرخة الى تلك الصهاريج التي تتصل بعضها بعضا من الأسفل فتمتلئ دوما بالماء العذب
لاستخدام الدور والمنازل، ويتجدد امتلاءها اولا بأول من ماء النيل. وكانت العناية
بتلك القنوات مسئولية الأهالي، اما العناية بالترعة وتوسيعها وحفر فوهتها على
النيل مسئولية الوالي، وفي عصور متدهورة كانت المياه لا تجري في الترعة الا في
موسم الفيضان فقط، وتظل طوال العام خاوية لا يجري فيها الماء ويشرب الناس من
صهاريجَهم التي امتلأت وقت الفيضان!..
ومن اكثر مما
لفت نظر ابن جبير وغيره من الرحالة والمؤرخين، فنارة الإسكندرية، فنالت اعجابه حتى
انه جاس خلالها وقاس ابعادها ووصف مبناها وارتقى مدارجها وتبرك بالصلاة في مسجدها،
فقد كانت هداية للمسافرين والتجار ولولاها لما اهتدوا في البحر، وكانت انوارها ترى
على بعد سبعين ميلا..
«ومن اعظم ما شاهدنا من عجائبها الفنار الذي وضعه الله عز وجل بين يدي من سخر لذلك آية للمتوسمين وهداية للمسافرين، لولاه ما اهتدوا في البحر الى بر الإسكندرية، يظهر على ازيد من سبعين ميلا، ومبناه في غاية العتاقة والوثاقة طولا وعرضا يزاحم الجو سموا وارتفاعا، يقصر عنه الوصف وينحسر دونه الطرف، الخبر عنه يضيق والمشاهد له تتسع، ذرعنا احد جوانبه الأربعة فألفينا فيه نيفا وخمسين باعا، وكان طوله اعلى من مائة وخمسين قامة (يقصد قامة الأنسان) وأما داخله فمرأى هائل اتساعا ومعراجا وكثرة المساكن (الغرف) حتى ان المتصرف فيها والوالج في مسالكها لربما يضل، وبالجملة لا يحصلها القول، والله لا يخليه من دعوة الإسلام ويبقيه، وفي اعلاه مسجد موصوف بالبركة يتبرك به الناس بالصلاة فيه، وشاهدنا من شأن مبناه عجباً لا يستوفيه وصف واصف.. »
زيارة بنيامين التطيلي للإسكندرية
ايضا زار الإسكندرية
الرحالة اليهودي القشتالي (أسباني) الرابّي بنيامين بن يونه التُطيلي Benjamin of Tudéla (ت 1173م) في نهاية العصر الفاطمي ولكن
تقريبا قبل زيارة ابن جبير بحوالي سبعة عشر عاما، ووصف شوارعها ومبانيها وصفا
دقيقا لا يتعارض تقريبا مع وصف ابن جبير، وهذا الوصف يؤكد كيف حافظت المدينة على
تخطيطها العام الذي عرفت به منذ أقدم العصور. يقول:
«ومدينة الإسكندرية مشيدة على نحو طبقات معقودة تحتها العديد من الكهوف والمغاور (يقصد الصهاريج)، وشوارعها مستقيمة لا يحد البصر اخرها لطولها، فالشارع الممتد من باب رشيد لباب البحر ينوف على الميل طولا، وفي مرساها رصيف في البحر الى مسافة ميل ايضا. »
وعن الفنار
قال التطيلي:
«ولا يزال فنار الإسكندرية يهدي السفاين الغادية والرائحة، ويشاهد على بعد مائة ميل نهارا، وفي الليل ينبعث منه النور يهدي الملاحين. »
وكان من اهمية
وصف بنيامين التطيلي انه ثابت ودقيق ومفصل، فقد أحصى الممالك والأقطار الأجنبية
التي تتبادل التجارة مع الإسكندرية في ذلك الوقت، ومن هذا الثابت نعرف ان انواع
التجارة والوانها المختلفة كانت تتدفق الى الإسكندرية من كل بلدان اوروبا المسيحية
وبلاد الشرق الإسلامية وغير الإسلامية مثل البندقية ولمبارديا وتوسكانيا ورومانيا
وبلغاريا والمانيا وفرنسا وانجلترا ونورمانديا وجنوا وبيزا وأراجون وقشتالة
(اسبانيا) والمغرب والأندلس .. ومن بلاد الشرق جزيرة العرب واليمن والهند
واندونيسيا والصين والحبشة والعراق والشام وقبرص .. كما يورد بنيامين بعض اسماء
التجار وربابنة السفن الذين تحدث إليهم واستاق منهم معلوماته، كما اشار الى نوع من
المباني انتشر في الفسطاط والقاهرة فيما بعد قد عرفته الإسكندرية منذ فترة كبيرة
وهو «الفنادق» وكان مكانا مخصص لاستراحة التجار وتخزين بضائعهم في سفرهم، وعرضها
على التجار الأخرين لعله يجد من يشتريها قبل ان يبلغ بلاده، والاسم نفسه مشتق من
الكلمة اليونانية القديمة Pandokeion يقول عنه بنيامين:
«وتأتيها من الهند التوابل والعطور بأنواعها فيشتريها تجار النصارى، ولتجار كل امه فندقهم الخاص بهم، وهم في ضجة وجلبة يبيعون ويشترون. »
وإن كان لم
يشر في وصفه الى اماكن هذه الفنادق، او يصفها لنا وصفا دقيقا لنتعرف أكثر على
عمارتها، الا اننا نفهم من كتاباته انها كانت قريبة من باب البحر، الذي كان يطل
على الميناء الشرقي مباشرةً وكان التجار يتخذونه مرسى لسفنهم تقريبا في حي المنشية
الحالي وشارع الميدان او ما نحوه.
فنادق في الإسكندرية القديمة
والفنادق في
مجملها مباني ضخمة تتكون من عدة طوابق، كان يخصص لتجار كل دولة فندق أو أكثر،
فمثلا يذكر التطيلي ان تجار البنادقة كان لهم في الإسكندرية فندقان، كما اشار الى
وجود فنادق لتجار اوروبيين اخرين كالقتلان والبيزائيين (اهالي بيزا) والفلورنسيين
(اهالي فلورنسا) والفرنجة (اهالي فرنسا). وكان التجار يقطنون الطوابق العلوية
بينما تخصص الادوار السلفية للحوانيت ومخازن البضائع ومبيت الجياد والعناية بها،
كانت توجد ايضا حمامات خاصة وغرف البخار وكنائس وملاهي (حانات) لتوفير كل وسائل
الراحة لأولئك التجار.
كما تحدث
الرابّي التطيلي عن توابل الهند ورائحتها المميزة النفاذة، وأنها كانت من اهم
الأصناف في ذلك العصر (كانت في اوروبا تباع بالجرام بمبالغ كبيرة) ويؤيد هذا نصوص
المؤرخين العرب الذين ذكروا بعض المعاهدات التجارية بين سلاطين الأيوبيين وممالك
وجمهوريات ايطاليا في ذلك الوقت. ويؤيد ذلك أحد ابواب الإسكندرية في ذلك الوقت وهو
باب سدرة (باب العمود) فكان اسمه ايضا باب البهار لورود قوافل البهار من الهند عبر
البحر الأحمر ثم تحمله السفن عبر النيل من القاهرة او الفسطاط الى خليج (ترعة)
الإسكندرية ويتم تفريغه مقابل هذا الباب (وليس من باب رشيد الشرقي وكان باب
المسافرين القادمين من القاهرة) ليتم تحميله بالجمال الى فنادق التجار ثم الى
السفن الراسية في الميناء الشرقي. وقد أحصى ذلك الرابّي اليهودي عدد اليهود
المصريين المقيمين بالإسكندرية في ذلك الوقت فكانوا 3000 نفس، وكانوا يمثلون في
حدود 5% تقريبا من عدد السكان وهذا ليس بالغريب في بلد كان له هذا النشاط التجاري والاقتصادي
الكبير بين مواني البحر المتوسط.
الحركة التجارية في الإسكندرية القديمة
ويلقي الأسعد أبو المكارم بن ممّاتي وهو كاتب وشاعر ومؤرخ مصري (ت 1209م) بعض الضوء على تاريخ الحركة التجارية الداخلية بين الإسكندرية وباقي مدن مصر خاصة الفسطاط والقاهرة من بعدها في كتابه «قوانين الدواوين»، فيقول:
«وفي مسري جريان النيل بخليج الإسكندرية وتسفير المراكب اليه بالشب والغلال والكتان والبهار والسكر وغير ذلك من الأصناف، وفيه يحمل من ثغر الإسكندرية المحروس الى الباب العزيز من الأخشاب والحديد وغيره من ذلك من الأصناف برسم عمارة المراكب. »
ويتضح من
كتابات ابن مماتي ان التجارة كانت تنشط في وقت الفيضان في شهر مسري (اغسطس
وسبتمبر) حيث يرتفع النيل في الخليج وتستطيع المراكب ان تحمل البضائع الى الإسكندرية
دون مشقة، وقد حدد الأصناف التي كانت ترسل الى الإسكندرية تمهيدا لتصديرها خارج
البلاد، وبعضها من انتاج مصر كالشبة والكتان والسكر وغيره، وبعضها وارد الشرق
كالبهار، وكان من اهم واردات أوروبا في ذلك الوقت الخشب والحديد لعمارة سفن
الأسطول الحربي والتجاري في دور الصناعة بالفسطاط والمقس والإسكندرية. وابن مماتي
كان سكندري المولد من اسرة مسيحية الاصل، اشتهر في مجال الكتابة الساخرة (مؤلف
كتاب الفاشوش في حكم قراقوش) والأدب والتاريخ، دخل في الاسلام اوائل العصر الأيوبي
وتقلد مناصب كبيرة في الدواوين بالإسكندرية، ومات ودفن في حلب في منصب كبير في عهد
الظاهر غازي بن صلاح الدين.
المقدسي يزور الإسكندرية
وفي نهاية عام
1230م زار المدينة المؤرخ الدمشقي المعروف ابو شامة المقدسي (ت 1266م) صاحب
«الروضتين في اخبار الدولتين»، وقدم لنا وصفا دقيقا للمدينة، وقد زار قبر الحافظ
السلفي بالباب الأخضر، وقابل الشيخ محمد القباري أحد متصوفي الإسكندرية وزهادها،
يقول:
«كنت قد اجتمعت به في اخر سنة ثمان وعشرين وستمائة مع جماعة، صادفناه وهو يسقي غيط له في جرار ماء من الخليج على حمار وكان الماء حينئذٍ عزيز، فأجلسنا الى ان اتم عمله ثم قدم لنا من ثمر غيطه، وكذا كانت عادته مع من يزوره من الملوك والأمراء. »
الهراوي يصف معالم المدينة القديمة
وزار الإسكندرية
ايضا الرحالة أبو الحسن علي بن ابي بكر الهراوي وهو من هِرات ببلاد فارس (ت 1214م)
ووصف المدينة في كتابه «الإشارات الى معرفة الزيارات» ومن أكثر ما عني به الأثار
القديمة الإغريقية والرومانية كعمود الصواري ومسلتي كليوباترا والفنار، والقبور
التي كان يقصدها الناس للزيارة والتبرك. يقول الهراوي عن الفنار:
«وإنما ذكروا منارة الإسكندرية من العجائب لما كان بها من المرآة التي ذكروا ان المراكب إذا اقلعت من مسيرة ايام تظهر صورها فيها فيستعدوا للقاءها، وقيل انها كانت تحرق مراكب الأعداء وهذا يمكن عمله فإن المرآة إذا سماتت شعاع الشمس احرقت ولا سيما ويعضدها البحر فان شعاع الشمس من صقال المرآة وضوء النهار ولمعانه تحرق ولا شك فيه، وكانت المرآة ستين ذراعا وارتفاع المنارة كلها ثلاثمائة ذراع. »
وهذه طبعا
مبالغة ولا شك وان كان احراق المراكب بالمرآه المقعرة حدثت فعلا اثناء حصار
سيراكوز بصقلية ونفذها العالم المشهور ارشميدس عام 212 ق. م. واشار الهراوي ايضا
الى دار الأسكندر (ولعله يقصد النصب التذكار لقبر الأسكندر) ولكنه لم يحدد موقعه
بدقة، ويشكك بعض المؤرخين كالدكتور جمال الشيال في رواية الهراوي ويرجّحون ان أحد
الأهالي قد اقام دارا فوق احدى الاثار القديمة فأطلقوا عليها دار الأسكندر، لأن
الهراوي نفسه يقول في موضع اخر انه رأى (على غير ترجيح منه) قبر الأسكندر في المنارة
مع ارسطوطالس (!!).
واشار الهراوي
الى مسجد النبي دانيال فقال انه كان قبرا لا مسجد للنبي إرميا (!!) في منطقة
الديماس (كوم الدكة) فكان الهراوي اول مؤرخ او رحالة يذكر هذا القبر، ووصفه بدقة
مما يدل على انه حتى القرن الثاني عشر الميلادي لم يكن قد بُني المسجد بعد، وانه
بعد بناؤه نُسب خطأاً الى نبي الله دانيال، وهذا النص ينفي ان قبر النبي دانيال
كان هو قبر الأسكندر فلو كان هذا شائعا وقتها لذكره الهراوي وغيره ولو على سبيل
الأسطورة، وعن خليج الإسكندرية والصهاريج يقول الهراوي:
«ومن عجائب الخليج اذا زاد النيل تبقي هذه المدينة كأنها قارورة قد وضعت على الماء ولا يبقى فيها دارا لا تدخله المياه التي كان يحتاج اليها من زيادة النيل والطبقة التي تحت المدينة تمشي فيها كما تمشي في شوارعها فوق الأرض، وفناطيسها من ثلاثة طوابق.. »
وقد بُهر
الهراوي لكثرة ما بالمدينة من مساجد، حتى انه لقال انها بها من المساجد والمعابد
مالا يوجد بغيرها، وقال عنها:
«.. وبها مسجد المواريث يزار، ومسجد سارية والجامع القديم وجامع عمارة الصحابي رضي الله عنه. وبها مسجد التوبة والرحمة ومسجد النحات وبه من الشهداء مالا يُحصى ولا يُعد. وبها الباب الأخضر يزار وبها جبانة كبيرة. »
وعن عمود الصواري
أعجب الهراوي ببنائه وقال انه كان.
«مصقول صقال الفصوص، وحوله العمد كثيره، ويقال ان هذا الرواق بنته اليونان وتحته قاعدة مربعة من الحجر المانع قطعة واحدة. »
ولعله يقصد
الأعمدة التي حطّمها الوالي قراچا وألقاها في الميناء الشرقي كما قلنا سابقا
(للمزيد طالع هنا)، أما الحجر المانع فهو يقصد الجرانيت وكان غير منفذ للماء طبعا.
البغدادي في الإسكندرية
أيضا زار الإسكندرية
الرحالة الطيب عبد اللطيف بن يوسف البغدادي (ت 1231م) في اوائل القرن الثالث عشر
الميلادي، ودون مشاهداته في كتابه «الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث
المعاينة بأرض مصر»، وقد انتقد تحطيم الأعمدة حول عمود الصواري والقاءها في
الميناء الشرقي في عهد صلاح الدين الأيوبي، ووصف المنارة وعمود الصواري ومسلتي كليوباترا،
كما ذكر اعجابه بصنف من التفاح «ببستان واحد يسمى بستان القطعة، كان صغار وقاني
الحمرة وله رائحة تفوق الوصف وتعلو المسك وهو قليل جدا.». كما حضر المجاعة التي
حدثت في مصر عام 1198م واستمرت عامين تقريبا، وقد صحبها وباء خطير (ولعله الطاعون)
قضى على حياة الاف السكان، يقول البغدادي:
«وسمعنا من الثقات عن الإسكندرية ان الأمام قد صلى يوم الجمعة على سبعمائة جنازة، وان تركة واحدة قد انتقلت في مدة شهر اربعة عشر وارثا (!!) وأن طائفة كبيرة من اهلها تزيد عن العشرين ألفا قد انتقلت الى برقة واعمالها فعمروها وقطنوها. »
وغيرهم من
الرحالة والزائرين من تحدث عن الإسكندرية وأعجب بها وانبهر بمبانيها ودورها،
واعجبته دروبها وسبلها وخليجها الذي تدخله المياه ثلاثة أشهر في العام فيمتلئ
الصهاريج الموجودة تحت الدور ليشرب منه الناس باقي العام كله. كعثمان النابلسي
وابن سبط الجوزي وغيرهم.. ونتحدث في تدوينات لاحقة عن مزيد من الرحلات لغيرهم في
عصور اخرى .. فتابعونا..


