تاريخ الاسكندرية عبر العصور : (5) صحوة العصر الأيوبي

طارق الشافعي
كتب
0

 في اواسط القرن الثاني عشر الميلادي كانت الدولة الفاطمية في مصر تلفظ انفاسها الأخيرة، ويتجمع عليها «الأَكَلَة» من كل حَدبٍ وصَوب يريدون الفوز بنصيبهم مما تركت. وكانت عيني نور الدين محمود في دمشق ترنو الى مصر، وأيدي عموري الأول ملك بيت المقدس الصليبي تمتد لتمسك بما قُسِمَ لها من الجسد المحتضر. وفي مصر وزيرٌ خائن يتحالفُ مع الشيطان ويضع مصلحته العليا فوق الدولة والخليفة وكافة شيء.. في تلك الأجواء القاتمة ظهر فارس شاب قادم مع الجيش الزنكي من سوريا يريد ان يفوز بنصيبه من الغنائم، فكانت الإسكندرية هي البوابة التي دخل منها الى قلوب الناس حتى جلس عرش مصر.. فكيف حدث ذلك؟.. دا هايكون موضوع تدوينتنا النهاردا وهنركز شوية على احداث الإسكندرية.. خليكو معانا..



جاء الجيش الزنكي الى مصر ثلاث مرات، يهدف الى الاستيلاء على البلاد قبل ان يستولى عليها الصليبيين بعد ان ارسل الوزير شاور (الخائن) يستنجد بهم ضد الزنكيين مقابل جزية يدفعها سنويا. فجاء الزنكيون الى مصر بجيش كبير أواخر عام 1166م يهدف مصر الى املاكهم وطرد الصليبيين، فقد شاهد في حملته الولى منذ عام من الوهن ما أغراه بالغزو وهونه في عيني سلطانهم نور الدين محمود. وكان الجيش بقيادة أسد الدين شيركوه ومعاونة ابن أخيه الشاب صلاح الدين يوسف بن أيوب. وبالرغم من تكتم خبر الحملة ألا أن انباءها وصلت لعموري في بيت المقدس فأرسل يحذر «صديقه» الوزير شاور والذي طلب معونته فأسرع يدخل مصر قبل وصول الزنكيين، واجتمع جيش الصليبيين والجيش الفاطمي ينتظر أسد الدين وابن أخيه عند بلبيس. وعلم أسد الدين بالأحداث، فاتجه بجيشه جنوبا وعبر النيل بجنوده نحو الجيزة وضرب معسكرا وكان هذا خطأ استراتيجي قاتل، اذ علم شاور وعموري بتحركاته فتحركا يحاصرانه من ضفة النيل الشرقية ويقطعان عليه سبل الاتصال مع قاعدته بالشام، وعلم شيركوه بخطورة موقفه فاستمال بعض القبائل العربية المقيمة هناك وأرسل لشاور يعرض عليه التحالف ضد عموري باسم الأسلام (!!)..

    «.. وما أأمل منك الا نصر الإسلام فحسب فالعدو قد جاء الى هذه البلاد والنجدة عنه بعيدة وخلاصه عسر، وأريد أن نجتمع عليه انا وأنت وننتهز الفرصة التي أمكنت والغنيمة التي كتبت فنستأصل شأفته ونخمد ثائرته، وما أظن ان يتفق للإسلام مثل هذه الغنيمة أبدا.» – ابن الأثير – الكامل في التاريخ ج4

ولكن شاور كان يخشى بأس الزنكيين ويراهم خطرا على نفوذه أكثر من الصليبيين!.. فأمر بقتل رسول شيركوه وأرسل اليه رأسه وأطلع عموري على مكنون الرسالة ثم سارا معا يحكمان حصار الضفة الشرقية. ولما علم شاور ارسل الى نجم الدين ابن مصال في الإسكندرية وكان ابن أحد الوزراء السابقين في عهد الظافر، فوجد منه أذنا صاغية ووعده ابن مصال باستمالة الإسكندريين وكانوا في مجموعهم من السنّة المالكية الكارهين لشاور والفاطميين، ويستفزهم وجود الجيش الصليبي في البلاد واستعانة الوزير الأكبر بهم، وكان ابن مصال مستخفيا من جراء احداث فتنة سابقة فانتهزها فرصة وظهر يؤلب الناس ضد شاور، فتجمع الإسكندريون حوله.



وتقدم شيركوه بجنوده نحو الصعيد يجمع الأموال ويزيد من مقاتليه بفرسان الأعراب الراغبين في قتال الصليبيين، وجيوش شاور وعموري تتبعاه على الضفة الشرقية تحاصره وتمنعه من العبور حتى نجح في خداعهم والعبور قرب قرية البابين (محافظة المنيا الحالية) وهناك إلتحم الفريقان في معركة كبيرة، ورغم التفوق العددي لجيوش الصليبيين الا ان فرق الفرسان الأعراب التي انضمت لجنود شيركوه قد زادتهم قوة استطاعت النفاد لقلب الجيش الصليبي وتمزيقه، فأسروا منه جندا كثيرة وتشتت الباقي في الجبال وكادوا ان يأسرون عموري نفسه ولكنه نجح في الهرب مع جند الوزير شاور شمالا. وتبعهم شاور بجنوده شمالا وقصد الإسكندرية للقاء ابن مصال، فنشر جنوده بها وحبس اسراه الصليبيين في احد القصور، والتقى القاضي الرشيد بن الزبير فرحب به وقدم اليه مجموعة كبيرة من المقاتلين والأسلحة للتقوي بها على لقاء شاور، وبعد أن اطمأن الى الدعم السكندري تحرك بجزء كبير من قواته وترك حامية بسيطة في المدينة بقيادة ابن اخيه صلاح الدين وتحرك جنوبا نحو الفيوم.



ووصلت الأنباء لشاور فتحرك مع عموري للإسكندرية، وحاصرها لمدة ثلاثة اشهر وضرب اسوارها بالمنجنيق بعنف، وقاتل اهلها بلا هوادة في حين اعجب اهلها بقائدهم الشاب وخططه في تشتيت جيوش الصليبيين وتفتيت قواهم أكثر من مرة، فكان لقلة جنوده يخرج جماعة منهم لقتال الجنود خارج الأسوار ويهجم عليهم هجمة شرسة خاطفة ثم يعود بهم مرة ثانية داخل المدينة، فيبدلون ملابسهم البالية بملابس جديدة ويخرجون من باب أخر ويهاجمون من جديد، وكرر ذلك غير مرة فأوهم اعدائه بكثرة عدد جنوده وهي خطة مشابهه لخطة القائد خالد بن الوليد والتي حقن بها دماء المسلمين في معركة مؤتة، فتراجع شاور ومن معه لمعسكر في احراش الجنوب حتى عَلِمَ الجميع بتحرك اسطول من الصليبيين من عكا لنجدة عموري ومن معه في الإسكندرية، فأرسل لشيركوه بالفيوم يستنجد به للمعاونة فلجأ الأخير الى تسريب انباء لشاور ان الجيش الزنكي يتحرك قاصدا القاهرة، ولم تكن بها حامية كبيرة للدفاع عنها، فرفع شاور الحصار عن الاسكندرية واتجه للقاهرة، وأرسل لشيركوه يريد التفاوض.

ووصلت الأنباء الى اهل الإسكندرية، فارتفعت معنوياتهم بعد ان زالت الغمة وانفك الحصار، ووقفت السفن الصليبية ترقب الأحداث وتتلقى الأنباء في عرض البحر دون اقتراب من الشواطئ المصرية، واتجه صلاح الدين للقاهرة لحضور المفاوضات، واتفقت الأطراف على انه لا قبل لقوة منهم على الاستيلاء على مقاليد الأمور في مصر، فاتفقوا جميعا على الأتي :

  1. جلاء كلا من الزنكيين والصليبيين عن البلاد.
  2. ان يتحمل شاور كافة النفقات والخسائر التي تكبدها الجيش الزنكي في حملته على مصر.
  3. ان يتم إطلاق سراح كافة الصليبيين الأسرى في الإسكندرية، وكان عددهم كبير.
  4. ان يدفع شاور سنويا لمملكة بيت المقدس جزية قدرها 30 ألف دينار ذهبي.
  5. ان يكون رحيل الجيش الصليبي من الإسكندرية وان يُسمح للجنود التجول بسلام ومشاهدة المدينة لمدة ثلاثة ايام دون ان يتعرضون لأحد أو يتعرض لهم أحد.
  6. في مقابل ذلك يقدّم عموري عدة سفن للزنكيين لنقل المصابين والضعفاء منهم بحرا، ويُسمح لهم بالنزول في ميناء عكا والخروج منها بسلام الى دمشق.
  7. الا يتعرض شاور للإسكندريين بسوء، وان يستوصي بهم خيرا بعد رحيل الزنكيين.
  8. ان تبقى حامية قوامها 50 فارس صليبي في القاهرة للاطمئنان على تنفيذ بنود الاتفاق تتخذ من جامع الحاكم (وكان مهجورا وقتها) مقرا لها.

يروي لنا د. جمال الشيال نقلا عن كتاب «الروضتين في أخبار الدولتين» لأبي شامة المقدسي (ت 1266م)، ان اهل الثغر خافوا من بطش شاور فأخذ اعيانهم يرحلون عن البلدة في إثر الأسد والصلاح (الزنكيين)، ولم ينس صلاح الدين ما قدموه اهل الإسكندرية من تضحيات وعون فاستحلف شاور مرارا أى يمسهم بسوء، ولكن شاور المتسرع حنث بيمينه قبل رحيل الزنكيين والصليبيين من القاهرة، فأرسل سرا من يعتقل نجم الدين بن مصال والقاضي ابن الرشيد وجماعة ممن تعاونوا مع صلاح الدين وشيركوه قبل ان يفروا. وعلم صلاح الدين بذلك، فاجتمع بعموري وأطلعه على ذلك وشكا اليه نقض شاور للأيمان التي أخذها على نفسه، فأنكر عموري ذلك وطلب من شاور إطلاق سراح كل المعتقلين! وألزم الجميع شاور يمينا جديدا الا يتعرض لأهل الإسكندرية بسوء، وعهد عموري الى حامية (جامع الحاكم) الصليبية متابعة تنفيذ ذلك.



وبعد تولى صلاح الدين للوزارة في عام 1171م لم يكن غريبا ان يكون اهل الإسكندرية هم أول من يرحب بالقضاء على الفاطميين، بعد ان اتخذ وزيرهم الجديد لهذا الإجراء عدته، فيروي أبي شامة ان أول مدينة قطعت الخطبة للعاضد الفاطمي ورفعت اسم وراية المستضئ بنور الله العباسي كانت في الإسكندرية في سبع ليال ولت من رمضان عام 567هـ في جامع الجيوشي (العطارين)، ثم اقيمت بعد ذلك في القاهرة في الثامن والعشرين من نفس الشهر، ويضيف ابي شامة ان راية العباسيين السوداء قد أقيمت فوق المنبر خلف الواعظ دليلا على استتباب الأمر واستقرار الأحوال. وصار دعاة الإسكندرية بعد ذلك يطاردون الدعاة الشيعة اينما ذهبوا، فيروي أبي شامة خبر مطاردة الأهالي لداعية شيعي اسمه “أبو قديد” يدعو لإعادة دولة الفاطميين ونشر المذهب الإسماعيلي (الشيعي) بين الإسكندريين، فقبض عليه الأهالي وسلموه لعسكر صلاح الدين وقتلوه.

ولكن الأمر لم يستتب لصلاح الدين في بداية عهده في مصر بسهولة، فكانت الصليبيين على مصر منذ اعوام ويعلمون ان وقوعها في ايدي الزنكيين قوة لهم فشعروا بخطورة موقفهم في بيت المقدس، فأرسلوا اسطولا من صقلية، التي كانت قد وقعت في حوزة النورمان منذ عدة سنوات، للأغارة على الإسكندرية، وهناك دارت معركة اخرى. ماذا كان موقف صلاح الدين وماذا فعل اهل الإسكندرية؟.. دا موضوع التدوينة الجاية ان شاء الله فتابعونا.



في بداية عهد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب لم يكن من اليسير على اتباع الدولة الفاطمية «البائدة» ان يشاهدوا الأمر وقد استتب للدولة الجديدة، فراحوا يدبرون مؤامرات وخطط للقضاء على الدولة والسلطان. فكيف استطاع صلاح الدين الانتصار على كل هؤلاء المتآمرين؟.. كان انصار الفاطميين في الداخل متمثلين في حاشية القصر ودعاة الدولة وعامة الإسماعيلية من المصريين وجند السودان (وكان صلاح الدين قد هزمهم وشتت شملهم بعد ثورتهم عام 1170م وافراد من اسرة الوزراء شاور وزُريك وآخرين، ووضعت الخطة على اساس الاستعانة بشيخ الجبل (الحشاشين) سِنان، وبالفرنجة في الشام وصقلية وكان النورمان قد استولوا عليها مع جزيرة مالطة عام 1091م وطردوا العرب منها، وقد شارك في المؤامرة الشاعر عمارة اليمني لما له من صيت وشهرة أنذاك وصداقة مع الأمير توران شاه بن صلاح الدين الأيوبي، فكان دوره ان يقنعه بالخروج في حملة لضم اليمن بعد نجاح والده السلطان في ضم الحجاز عام 1174م، وحين يخرج الأمير بنصف الجيش تقريبا فيضعف بذلك قوة الجيش المتبقية في مصر، في حين يتشتت شمله ومن معه في حملة طويلة بعيدة عن قاعدة الأمداد بالقاهرة، ومن ناحية اخرى تهجم اساطيل الفرنجة من الشام وصقلية على الإسكندرية، فإن خرج صلاح الدين للقائهم يثور جند السودان والأرمن في القاهرة ويملكون البلدة ويعيدون المُلك للبيت الفاطمي ويتركوا للفرنجة مهمة القضاء على صلاح الدين وجيشه، وان بقي فيها يملُك الفرنجة الإسكندرية ويتقدمون نحو القاهرة فيقع صلاح الدين وجيشه بين جبهة داخليه (كتائب السودان والأرمن) وجبهة خارجية (جيش الفرنجة).. فكانت خطة محكمة، ومؤامرة لا يسهل الخروج منها..

ولكن السلطان صلاح الدين كشف أبعاد المؤامرة عن طريق رجل من ثقاته وهو الواعظ زين الدين بن نجا. وكان ملك بيت المقدس قد أرسل الى صلاح الدين برسالة وهدية في الظاهر، ولكنه كان مكلفا بالاتصال بالمتآمرين سراً، يقول ابن الأثير:

    «فأتى الخبر الى صلاح الدين من بلاد الفرنجة بجلية الحال، فوضع صلاح الدين على الرسول بعض من يثق بهم من النصارى وداخله فأخبرهم بالخبر على حقيقته..» – ابن الأثير، الكامل في التاريخ

ويأمر صلاح الدين باعتقال رؤوس المتآمرين، واستفتى العلماء في أمرهم فقضوا بقتلهم، فقُتلوا وصُلبوا على ابواب القاهرة وكان من بينهم الشاعر عمارة اليمني، فتخلص صلاح الدين حينها من الجبهة الداخلية، أما الجبهة الخارجية فعندما علم ملك بيت المقدس بأنباء القاهرة أحجم عن المشاركة وترك الأغارة على مصر لملك صقلية وليم الثاني (المعروف بالطيب) Guglielmo II di Sicilia وكان يريد اظهار قوته في حوض البحر المتوسط، فأعد اسطولا ضخما يروي ابن الأثير انه ظل خمس سنوات يبني فيه، وهاجم الإسكندرية في نهاية يوليو 1174م، ووصل نبأه قبل مجيئه برسالة تحذير من ملك القسطنطينية وكان معاديا لملوك النورمان، ويصف ابن الأثير اسطول ملك صقلية فيقول:

    «.. كانت عدته مائتين شيني (مركب) تحمل الرجالة وستا وثلاثين طريدة تحمل الخيل وستة مراكب كبار تحمل الات الحرب واربعين مركب تحمل الأزواد وفيها من الرجال خمسون ألفا ومن الفرسان ألفا وخمسمائة تركبلي (فارس) وكان المُقدم عليهم ابن عم صاحب صقلية وسيره الى الإسكندرية من ديار مصر فوصل اليها في سادس وعشرين من ذي الحجة سنة تسع وستين. » – ابن الأثير، الكامل في التاريخ

  • الأحد 28 يوليو: استطاع الصقليين إنزال جنودهم في صباح ذلك اليوم عند ساحل الفنار والساحل الشرقي (الرمل)، فخرج اهالي الإسكندرية بسلاحهم وعدتهم لمناوشة الغازين، واستطاعوا الوصول لسفن الأسطول المصري الراسية في الميناء الشرقي واحراقها قبل ان يغنمها الفرنجة، واستمر القتال الى الليل فلم يستطع الفرنجة الاقتراب أكثر من الساحل، فضربوا خيامهم الى الشرق (الرمل) وكان عددهم 300 خيمة.
  • الاثنين 29 يوليو: عاود الفريقين القتال، وتقدم الفرنجة بدباباتهم حتى حاذوا الأسوار كما نصبوا مجانيقهم واستعدوا بأحجار أصطحبوها معهم من بلادهم. أما الأهالي وحامية الإسكندرية فقد تمركزوا في ابراج الأسوار يدافعون عن المدينة ويمطرون اعداءهم بالسهام فيمنعونهم من الاقتراب من الأسوار، ويتلقون ضربات المنجنيقات ويصلحون بسرعة ما يعطب منها من الأسوار.
  • الثلاثاء 30 يوليو: خرج الأهالي صباح ذلك اليوم من الباب الشرقي وباب البحر بجموع هائلة في هجمة منظمة فاستطاعوا ان يستولوا على بعض دبابات الفرنجة ويحرقوها وتراجع اعدائهم على اثر ذلك الى الوراء نحو معسكرهم واستمر القتال حنى نهاية اليوم، يقول ابن الأثير:

    «وعاد الأهالي مع اول الليل فرحين مستبشرين بما رأوا من تباشير الظفر وقوتهم وفشل الفرنج وفتور حربهم وكثرة القتل والجرح في رجالتهم.» – ابن الأثير، الكامل في التاريخ.

 


وكان معسكر السلطان صلاح الدين عند فاقوس (بمحافظة الشرقية الحالية)، فأرسل اليه والي الإسكندرية بالحمام الزاجل ينبئه بوصول الصقليين، ثم أرسل اليه بنبأ ما حدث فأرسل السلطان رسالة بالحمام الزاجل يبشرهم بقرب وصوله، وأرسل جزءا من عسكره الى ثغر دمياط لمساعدة حاميتها في الدفاع عنها حال مهاجمتها، وأرسل حامية اخرى للإسكندرية. ووصلت الحمامة تحمل رسالة السلطان الى الإسكندرية مساء يوم الثلاثاء، فأمر قائد الحامية بمنادي ينادي في شوارع الإسكندرية يبشر الأهالي، وكان فِعلا جيدا أشعل الحماسة في صدور المزيد من الأهالي، فخرجوا عن اخرهم (على رواية ابن الأثير) لاستئناف القتال وبشراسة، وهذا يدل ان صلاح الدين كان بالنسبة لأهل الإسكندرية بطلا اسطوريا وزعيما محبوبا قد عرفوه عن قرب في معارك حصار شاور وعموري لأكثر من ثلاثة شهور عام 1166م. يقول ابن الأثير:

    «فلما سمع الناس ذلك عادوا الى القتال وقد زال ما بهم من كلل وألم الجراح، وكل منهم يظن ان صلاح الدين معه فصار يقاتل من يريد أن يشهد قتاله.» – ابن الأثير، الكامل في التاريخ

  • الأربعاء 31 يوليو: خرج الأهالي للقاء الفرنجة مع المدد القادم من عسكر صلاح الدين في هجوم وحشي يصرخون صراخا ألقى الرعب في قلوب الصقليين فترك اصحاب الصفوف الخلفية القتال وألقوا بأنفسهم في الماء واخذوا في السباحة الى المراكب الراسية قبالة الساحل، بينما نجح الأهالي في ابادة باقي عسكر الفرنجة واستطاعوا الوصول الى خيامهم بالرمل واشعال النار في معسكرهم بعدما غنموا ما به من مؤن وعتاد، ومن ناحية اخرى خرج بعض المقاتلين في سفن حتى وصلوا الى بعض سفن الفرنج وغنموها بمن فيها، فخسفوها وأتلفوها، واحتمى ثلاثمائة فارس من الصقليين بجزيرة فاروس بعد ان فشلوا في العودة لسفنهم، فهجم عليهم الأهالي وأخذوا خيولهم وقتلوا منهم خلقا كثيرا واسروا البعض الأخر فلم ينج منهم أحدا..
  • الخميس 1 أغسطس: انتهت المعركة بانتصار اهل الإسكندرية على عسكر الصقليين الصليبيين انتصارا حاسما غنِم منهم الأهالي من السلاح والعتاد والخيل على رواية ابن الأثير مالا يمتلك مثله، ومات منهم خلقا كثيرا وأسر منهم عددا كبيرا واندحر منهم من نجح منهم الوصول الى السفن الراسية في عرض البحر.
  • الجمعة 2 أغسطس: أقلعت سفن الفرنجة فجر هذا اليوم من قبالة السواحل المصرية قاصدة بلادها. تلك كانت رواية ابن الأثير التي وردت في كتابه (الكامل في التاريخ) ولم نجد رواية مماثلة لها في لدى مؤرخي الفرنجة المعاصرين مع الأسف، وعلى الرغم من ان ابن الأثير كان معاصرا للحملة (ت 1233م) ألا انه لم يكن شاهد عيان لها وقد نقل ما روي عن بعد روايات الأهالي وما روى الجند والتي قد تدخل المبالغات بها احيانا، ولكن النتيجة النهائية والهجوم بالطبع لا شك فيه..


أما صلاح الدين فقد فرغ من أمر باقي المتآمرين بالقاهرة، فوصل الى الإسكندرية في فبراير 1177م (بعد عامين من الحملة) وقد شاهد بنفسه اسطولها المهدم واسوارها المتهالكة، فيأمر بإعادة بناء الأسوار والأبراج واستحداث ابراج جديدة وترميم برج ضرغام المتهالك، كما أمر بإصلاح دار الصناعة لإنتاج المزيد من سفن الأسطول، وزيادة اعداد صُنّاعها وزيادة رواتبهم واستيراد مزيد من الأخشاب من الشام، واسند ادارة الأمر لديوان جديد استحدثه يسمى ديوان الأسطول واسنده لأخيه العادل (الملك العادل فيما بعد)، واقطع له من الأراضي ما يكفي للأنفاق عليه. كما اتخذ السلطان اجراءات اخرى لحماية الثغر، فيذكر المقريزي في خططه عند ذكر عمود الصواري أنه كان حوله أكثر من اربعمائة عمود ما بين قائم ونائم (اطلالا من العهد الروماني) كسرها الأمير قراچا والي الإسكندرية ورماها بشاطئ البحر ليوقف نحر الموج في سور الإسكندرية الشمالي وليوعر على العدو سلوكه إذا أقدموا. (!!) وقد زار الرحالة عبد اللطيف بن يوسف البغدادي مدينة الإسكندرية في عام 1200م في عهد الملك العادل وشاهد الأعمدة المكسرة عند شاطئ البحر وانتقد ما فعله قراچا فقال: 

«.. وان هذا من عبث الولدان ومن فعل من لا يفرق بين المصلحة والمفسدة».

وقد زار صلاح الدين وأولاده عالم الإسكندرية ومحدثها الأكبر أبا الطاهر أحمد بن محمد (الحافظ السلفي) وكان قد استقر بالإسكندرية في عهد الفاطميين يدرس ويحدث (يروي الأحاديث) وقد اصبحت له مدرسة وتلاميذ (للمزيد طالع هنا)، فاصطحب صلاح الدين ولداه الأفضل علي والعزيز عثمان وأخيه العادل وكبار رجال دولته وذهبوا للجلوس بين يديه وتلقي العلم عنه، فزاره اكثر من مرة، وقد فعل الشيء نفسه مع الفقيه ابو الطاهر بن عوف تلميذ الطرطوشي واستمعوا منه الى موطأ الأمام مالك كله حسب رواية العماد الأصفهاني كاتب انشاء صلاح الدين والذي كان مصاحباً للزيارة، فكانت خطوات لها اهميتها في نشر العلم الشرعي وتشجيع اهالي الثغر عليه والقضاء على المذهب الاسماعيلي الشيعي في البلاد. كما امر ببناء مدرسة جديدة ذكره المؤرخون دون الأشارة الى مكانه، وأبطل صلاة الجمعة بجامع الجيوشي (العطارين) أكبر مساجد المدينة انذاك. يذكر الرحالة ابن جبير ان الأسكندرية أكثر البلاد المصرية مساجدا ويورد قولا يظهر فيه الملالغة بعض الشيء، ولكن أحد الرجالة المعاصرين له وهو محمد بن عبد الوهاب المعروف بابن خزيمة قد زار الأسكندرية عام 1164م واقام بها اربعون عاما فيروي انه «بالأسكندرية قرابة الثمانيمائة مسجد منها مائة وتسعون للخطبة ومائة وثمانون مدرسة لطلب العلم.». كما امر ببناء عدد من التكايا لأيواء ابناء السبيل من ابناء المغرب وافريقية (المقصود شمال افريقيا كله) والحجيج في طريقهم من وإلى المغرب، وأمر بإطعامهم بخبزتين يوميا وأوقف أوقافا كبيرة للأنفاق على ذلك واعتبره ابن جبير من مآثر السلطان صلاح الدين وافعاله الخيرة.

الأقسام :

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)