في اوائل القرن العاشر الميلادي بدأت الإسكندرية تتصل اتصالا وثيقا ببلاد المغرب، حتى من قبل ان ينجح الفاطميون في نقل دولتهم من بلاد إفريقية (تونس) الى مصر على انقاض الأخشيد في اواسط القرن ذاته، كما اسسوها من قبل على انقاض الأغالبة. فقد كانت الاسكندرية الهدف الأول لحملات الفاطميين برا وبحرا في حملاتها الأولى الثلاثة الفاشلة، وبعد ان نجحت الحملة الرابعة بقيادة جوهر الصقلي في غزو مصر وامتلاكها ونقل مقر الخلافة اليها عام 970م. تدوينة اليوم عن احوال الثغر في العصر الفاطمي، وكيف غير الفاطميون في معالم البلدة وتركيبتها السكانية.. خليكو معانا..
بعد ان تأسست
مدينة القاهرة واصبحت مقر الخلافة في 972م أولى الفاطميون للإسكندرية عناية خاصة،
فقط انتقل الأسطول الفاطمي اليها وصارت دار الصناعة الموجودة به لتصنيع الجديد
وصيانة القديم من سفن الأسطول. فأقاموا بها المنشآت الكثيرة ولبعضها اهمية كبرى
لأنها تساعد على تحديد معالمها وطبوغرافيتها. وقد رفض اهل الإسكندرية التشيع وكان
اغلبهم سنيين على مذهب الأمام مالك (حال اهل شمال افريقية)، كما كانوا بعيدا عن
مركز الخلافة وعسكرها ودعاتها، ففي عصر الوزراء ظهرت بها المدارس اول ما ظهرت
لدراسة الفقه والحديث وعلوم الشريعة، وذلك قبل ان تظهر وتنتشر بالقاهرة في عهد
الأيوبيين، ومن اهم تلك المنشآت نذكر:
- جامع العطارين (الجيوشي): ينسب بناء هذا المسجد الى بدر الدين الجمالي أمير الجيوش وزير الخليفة المستنصر، والصحيح انه في زيارته للإسكندرية عام 1084م وجد مسجدا متهالكا مقام على انقاض كنيسة قديمة (سان إثناسيوس)، فأمر بتجديده وتوسعته واضافة الكثير الى عمارته، ومازالت اللوحة الرخامية تؤكد لنا ذلك، وأشار لذلك المقريزي في كتاب (اتعاظ الحنفا..) فكانت اول صلاة جمعة في شهر ربيع اول 477هـ (1084م) وظل هو المسجد الجامع الكبير بالإسكندرية الى ان زال مُلك الفاطميون فانتقلت الخطبة الى مسجد آخر.
- مسجد أبو بكر الطرطوشي: بُني عام 1116م في خلافة الآمر بأحكام الله ووزارة المأمون البطائحي، ذكره المقريزي في (اتعاظ الحنفا..) فقال ان الطرطوشي كان قد ذهب للقاهرة للقاء الوزير البطائحي ليهدي له نسخه من كتابه الذي ألفه باسمه وكان اسمه (سراج الملوك) فأكرمه وخلع عليه، وسأله ببناء مسجد بباب البحر فكتب الى والي الإسكندرية بالموافقة والصرف عليه من اموال الديوان وتحسين عمارته واتقان بنائه، فبني المسجد في ذلك الحين الى ان زال وعفت اثاره.
- مسجد المؤتمن: وهو أخو الوزير المأمون البطائحي، وكان المؤتمن واليا على الإسكندرية، وبنى المسجد عام 1117م في الشارع الممتد من باب رشيد لباب البحر وقد ذكره المقريزي ايضا من اعمال السنة.
- تجديد سور الإسكندرية: وتم ذلك في عام 1123م وذكرها المقريزي في حوادث السنة دون تحديد اخبار هذا التجديد.
- مدرسة ابو الطاهر عوف: وهو فقيه مالكي محدّث ينتهي نسبه الى عبد الرحمن بن عوف الصحابي الجليل وكان شيخ مالكية عصره، شاع خبره في الإسكندرية فبنى له الوزير رضوان وزير الخليفة الحافظ عام 1138م تلك المدرسة واسند له التدريس بها.
- مدرسة الحافظ السلفي: وقد بناها العادل بن السلار وزير الخليفة الظافر، وذلك في عام 1149م وأسند التدريس بها للحافظ أبو طاهر أحمد السلفي وهو فقيه شافعي مشهور وصل الى الثغر وأقام به.
- برج ضرغام: وقد بناه الوزير القائد ابو الأشبال ضرغام (غريم الوزير شاور المعروف) عام 1161م عند باب البحر، وذكره المقريزي في حوادث السنة، وقد لعب دورا كبيرا في صد كل المغيرين عن البلدة في العصر الأيوبي والمملوكي. ويبدو واضحا في الخريطة التي رسمت للمدينة في القرن الخامس عشر الميلادي.
ويروي لنا
المقريزي ان الاسكندرية قد حافظت على رونقها وبهاء قصورها الى حد كبير خلال العصر
الفاطمي، فذكر في كتاب الخطط يصف دارا لأحد قضاة المدينة وهو مكين الدولة ابو طالب
بن حديد انها كان بها بستان كبير به نافورة منحوتة من قطعة واحدة من الرخام ينحدر
منها الماء فتكون كالبركة من كثرة اتساعها، ولم يكن لها مثيلا في قصور الخلفاء
والأمراء وكان صاحبها يباهي بها اهل عصره. فلما سمعت بذلك الأميرة العالية
(البدوية) زوجة الخليفة الأمر بأحكام الله المدللة (للمزيد طالع هنا) فأرسل الآمر
للقاضي ابن حديد يأمره بنزع النافورة من بستان قصره وارسالها للهودج (القصر) الذي
اقامه على جزيرة الروضة لسكن حبيبته، ولم يستطع ابن حديد الا الانصياع لرغبة
الخليفة فأرسلها على غير رضا منه!.. ثم ظل يتودد لحاشية الأميرة ويتقدم إليهم
بالرشاوي والهدايا الى ان امرت برد النافورة اليه اخر الأمر. وهذا يدل على ما كان
يتمتع به اعيان الإسكندرية من ترف ورفاهية، فمثل قصر ابن حديد ذكر المقريزي قصورا
كثيرة رائعه كانت في الإسكندرية في العصر الفاطمي، وأيضا ذكر علي بن ظافر الأزدي
في كتاب (بدائع البدائِه) وصفا لقصر بني خليف وهي اسره سكندرية كبيرة في ذلك
الوقت، وأثبت ابياتا من الشعر كتبها الشاعر السكندري بن قلاقِس في وصف القصر
وأسواره وبستانه وشرفاته وبواباته الكبيرة.
ولمكانة الإسكندرية
كثغر حربي وميناء تجاري، ولكثرة عدد المغاربة المقيمين بها فقد ظلت طرفا في اي
احداث سياسية في مصر، كأحداث الشدة العظمى (للمزيد طالع هنا) فبعد ان خرج أمير
الجيوش بدر الجمالي في تعقب المفسدين في الدلتا، فرت جماعة منهم واحتلوا الإسكندرية
وتحصنت بأسوارها وابراجها، فحاصرها الجمالي عام 1074م وفتحها عنوة وقتل الكثير من
العسكر الملحية (المغاربة) ثم ذهب الجمالي بعد ذلك الى ازالة اثار العدوان وتجديد
عمارة المدينة. وفي عام 1084م خرج على الجمالي ابنه الأوحد، وانضم اليه بعض العسكر
والعربان وجاء الى الاسكندرية واستولى عليها وتحصن بها فسار اليه ابوه وحاصر
البلدة الى ان ظفر به وقتل من معه، ثم أزال اثار العدوان وزاد في عمارة المدينة
والأسوار.
وبعد وفاة
الخليفة المستنصر 1094م بادر وزيره الأفضل بن بدر الجمالي بتولية ابنه الأصغر ابو
القاسم أحمد ولقبه بالمُستعلي، فغضب الأبن الأكبر «نزار» ورفض قرار الوزير وفر الى
الإسكندرية يساعده ويقويه ابن مصال وهو أحد وزراء الدولة وقواد الجيش، واستمال
الأمير افتكين والي الثغر وحصل على مبايعته على ان يوليه الوزارة لو آل الأمر اليه
فنجح افتكين في استمالة اهل المدينة لنصرة نزار ضد الأفضل والخليفة المستعلي. وخرج
الأفضل يتعقبهم وحاصر الإسكندرية، يذكر المقريزي في حوادث سنة 488هـ:
«فحاصرها ونصب عليها المجانيق وألحَّ عليها بالقتال ومنع عنها الميرة (السفن)..» – المقريزي اتعاظ الحنفاء..
فاشتد الضيق
بنزار وصحبه، وبين عشية وضحاها فر ابن مصال في عدد كبير من شيعة نزار في مركب
أقلتهم الى بلاد المغرب، ففت ذلك في عضد نزار وانتهى الأمر بهزيمته وقبض عليه وأرسل
للقاهرة وطلبوا منه مبايعة المُستعلي فرفض فأمروا بقتله واستقر المستعلي خليفة
للبلاد، ومن ثم انقسم الشيعة الإسماعيلية مذهبياً الى مستعلية ونزارية، بينما ظل
الوزراء بين سنّية (ابن السلار مثلا) أو إثنا عشرية (الصالح طلائع مثلا) مما فتَّ
في عضد الدولة الفاطمية وأدى الي ضعفها وانحلالها وعجل بسقوطها .
وفي عام 1149م
توفى الخليفة الحافظ وتولى من بعده الخلافة الظافر بأمر الله فأقام نجم الدين بن
مصال وزيرا له، فلم يقبل الأمير علي ابن السلار وكان واليا للإسكندرية بوزارته ولا
توليته، فسار اليه من الإسكندرية في كتيبة كبيرة، ودارت معركة كبيرة فر ابن مصال
على اثرها فأُجبر الظافر على تعيين ابن السلار في الوزارة خلفا لوزيره الهارب وصار
يعرف بالعادل. وفي وزارة الصالح طلائع بن رُزيك خرج والي الإسكندرية طرخان بن طريف
على طاعة الخليفة الفائز ووزارة الصالح ومنح نفسه لقب الملك (الهادي)، وانضم اليه
اخوه اسماعيل ونفر كبير من عرب البحيرة وخرج الأثنان بجيش كبير لقتال الصالح طلائع
عسكر قرب دمنهور، فأرسل اليه الصالح طلائع جيش كبير بقيادة الأمير عز الدين حسام
فهزم طرخان الذي فر الى الجيزة، وهناك قبض عليه و اقتيد الى باب زويلة حيث صلب هو
وأخوه حتى الموت!.. وعرفت تلك الفتنة بـ(فتنة طرخان) 1161م وقد ذكرها المقريزي في
حوادث السنة معلقا:
«وكان ابو طرخان فرَّانا فترقى في ايام الفِتن حتى ولاه الصالح الإسكندرية في ثلاث وخمسون وخمسمائة..» – المقريزي اتعاظ الحنفا..
وكان لهذه
الحوادث جميعا اثرا في تخريب المدينة واسوارها واستحكاماتها رغم تجديدها غير مرة،
وقد شاركت ميناء الإسكندرية في الدفاع عن شواطئ مصر غير مرة، فكانت عناية
الفاطميين بها ودار صناعتها في محلها، فيقول النويري السكندري انه قد انتقل كثير
من المغاربة من المهدية الى الأسكندرية واقاموا بها للعمل بصناعة السفن وترميم سفن
الأسطول وظلت لهم شهرة في هذا المجال جيلا بعد جيل الى العصر المملوكي. ومن
الأسكندرية خرجت سفن الأسطول لقتال الحمدانيين في سواحل الشام على عهد الحاكم عام
1018م والروم عام 993م وكانت الدولة تقيم احتفالا كبيرا بعودة الأسطول ظافرا، وفي
المراجع التاريخية كثير من النصوص التي توضح لنا كيف كان ذلك الأسطول عظيما فيذكر
المقريزي في حوادث عام 383هـ (993م) متحدثا عن اغارة بعض سفن البيزنطيين على
الأسكندرية:
«وكانت وقعة البحر مع الروم بنواحي الإسكندرية، أسر فيها من الروم سبعون.. ووردت مراكب الروم الى الإسكندرية فسار اليها العسكر في البر والأسطول في البحر، فولوا من غير حرب الى الشام، فسار الأسطول اليهم وزيد فيها ثمانية عشر مركبا محملة بالسلاح والمقاتلة..» – المقريزي اتعاظ الحنفا..
وقال في وصف
احتفال النصر في 994م:
«وصل غُزاة البحر الى القاهرة بمائة اسير، فزُيّنت المدينة ومصر بأعظم زينة، وركب العزيز وابنه منصور وشَقّ الشوارع ثم رَكب في عشارى (نوع من السفن النيلية) ومعه العشاريات سائرة الى المقس، ثم ركب من المقس الى القصر، فكان يوما عظيما لم يُرَى بمصر مثله وقال فيه الشعراء..» المقريزي – اتعاظ الحنفا..
وعن عناية
الخلفاء الفاطميين بالمدينة قال المقريزي عن الحاكم بأمر الله أنه..
«أطلق لحفر خليج (ترعة) الإسكندرية في سنة اربع واربعمائة (1013م) بخمسة عشر الف دينار، فحفر كله..» المقريزي – اتعاظ الحنفا..
كما ذكر انه
أمر بهدم مسجدا منسوبا لعمرو بن العاص نواحي باب سدرة ولم يذكر السبب الذي دفعه
لهدمه.


