لم يُدهشني نوبار وقصصه ولم أصدق ما كُتب في مذكراته

طارق الشافعي
كتب
0
بعد أن استعرضنا مذكرات نوبار باشا، الأرميني الذي أتى إلى مصر في مقتبل عمره لينال وظيفة في بلاط الوالي محمد علي باشا، فكان من نصيبه أن يقف شاهدا على عديد من الأحداث الهامة في تاريخ مصر خلال القرن التاسع عشر الميلادي، وأن يتعامل مع كثير من حُكام مصر من الأسرة العلوية، بدءًا من محمد علي الكبير ونهاية بالخديوي الشاب عباس حلمي الثاني، بعدها دخل نوبار في مرحلة الشيخوخة، وآثر التقاعد ليكتب مذكراته، ويروي التاريخ من وجهة نظره.

لم يغفر التاريخ ولا المصريين لنوبار ما اقترفه تجاه بلادهم في مسألة استقلالها، وتدخُّل القاصي والداني في شئونها. وكيف لا وهو الذي استغل نزاعه مع الخديوي، وآثر أن يكون أداه في يد الانجليز، يُسهل لهم في وزارته الأولى اختراق مؤسسات الدولة قبل احتلالهم، بتعيين وزيرين أجنبيين في وزارتي المالية والأشغال لمراقبة مالية البلاد مراقبة لصيقة دقيقة. وبعد احتلالهم حين أتاح نوبار مؤسسات الدولة لرقابة المفتشين الإنجليز بغرض إخضاع كافة مؤسسات الدولة لإرادة المُحتل بهدوء. أيضاً لاحقا خضع نوبار لإرادة اللورد، في وزارته الثانية، حين أصدر قراره بإعادة غزو السودان، ووأد ثورتهم "المهدية"، وإحلال موظفي الإدارة وقادة وضباط الجيش المصريين بإنجليز. وفي مذكراته يُبرر نوبار ذلك بأنه كان السبيل الوحيد لضبط مالية مصر! تمهيدا لتخلصها من سيطرة الدائنين الأجانب واستقلالها فيما بعد. فالمراقبون الأجانب هم الذين أعادوا تنظيم مالية البلاد لتعاود تسديد أقساط الديون من جديد. أما عن الاملاك الخديوية في السودان وأعالي النيل والقرن الأفريقي، فقد كانت حِملاً على مالية البلاد، فوجب التخلص منها! أما معارضيه من المسئولين ورجال الحركة الوطنية والراي العام الذي ثار ضده وقتها، فاضطروه لمصادرة حرية الصحافة ومنع طباعة الكتب والصحف لفترة طويلة، فهم لا يفقهون! فقط تحركهم العنترية والشعارات الفارغة، ولكن حقيقة الأمر أنهم لا يقدمون شيئا ولا يؤخرون!


وحينما يتغنى نوبار باقراره العدالة في مصر من خلال ادخاله لنظام المحاكم المختلطة عوضا عن الامتيازات الاجنبية والقضاء القنصلي، ايضا بابطاله السخرة في كافة الأعمال الحكومية، مما دفع بالبعض لتسميته بـ"أبو الفلاح"! حقيقة الأمر ان تلك المحاكم عملت على التمكين للامتيازات الاجنبية ولكن امام قضاء وقوانين غير مصرية تسري على ارض مصر، لا يستطيع المصري ان يأخذ حقه من الاجنبي ولا اعتقاله الا بعد الرجوع للقنصلية. اما السخرة فقد استمرت في اغلب مشاريع الاشغال حتى زمن بعد الحرب العالمية الأولى الى ان زالت بفعل الزمن. 
 
 
حاول نوبار من خلال مذكراته أن يغسل يديه ووجهه وضميره، وتضخيم ذاته بأثر عكسي، فيبدو كنجم ساطع يدور في فلكه الآخرين، ينصتون إلى نصائحه وأفكاره الذهبية، ويهلكون إذا تجاهلوها أو استهانوا بها، وذلك من خلال بعض روايات عن أفراد الاسرة العلوية، جاهد في ان يصيغها في أسلوب أدبي شيق، تختلط فيها الحقائق بأنصاف الحقائق بالأكاذيب، فما رواه عن علاقة خاله بوغوص بـ"الباشا" حين أمر بإعدامه وأخفاه الجندي في منزله، ثم صرح للباشا بإيوائه حين أبدى احتياجه في أمر ما، فعاد بوغوص لمكانةٍ أعلى من مكانته في الوظيفة وقلب الباشا على حد سواء! هذه القصة شبيهة بما حدث لأحقيار الوزير الآشوري الحكيم! وما رواه عن هياج الباشا تحت تأثير الخرف في أواخر أيامه ومحاربته لعدو وهمي، كلها قصص أحادية لم يتحدث عنها غيره فتظل العُهدة على الراوي! فالمعروف فعلا إصابة محمد علي باشا في نهاية أيامه بالزهايمر، ولكن الصورة قد لا تكون كما وصفها نوبار. تلك القصص وغيرها تجعل قراءة المذكرات امرا مشوقا مسليا، والتمادي فيها يجعل القارئ متهيئا لتلقي أي معلومة إضافية من الكاتب، وهذا ما أراده.


يقول الأستاذ ميريت بطرس غالي في تعليقه على مذكرات نوبار، بأن عائلته حاولت نشر المذكرات أكثر من مرة، أولها عام 1927 بمعلومية ابنه بوغوص نوبار، ومرة أخرى عام 1946 وفي كلا المحاولتين تم الرفض من رقابة الأنظمة في عهد الملكين فؤاد وفاروق، كونها تحمل صورة سلبية عن اسرة محمد علي باشا لم يكونوا ليقبلوا بنشرها، ولم ينشرها ورثة نوبار بالخارج، فهي مكتوبة أصلا بالفرنسية ولا تخاطب الثقافة العربية أصلا، ولكنهم كانوا يخشون على مكانتهم كرؤساء لجالية الأرمن في مصر، وبعد ثورة 1952 يقول ميريت غالي ان الورثة كانت رؤيتهم ان الوقت لا يزال غير مناسبا لنشر المذكرات، لكيلا ينضموا لقائمة من استغلوا الظروف ضد اسرة محمد علي باشا وانضموا لمؤيدي الثورة أو الانقلاب عليهم. حقيقة الامر ان حكومة الثورة أيضا لم تكن لتسمح بنشر تلك المذكرات (إن أراد الورثة فعلا نشرها) كون نوبار من الشخصيات المحسوبة على فترة الاحتلال البريطاني، في ظل تصاعد مفاوضات الجلاء، واعلاء شأن الشخصيات الوطنية التي أهدر العهد الملكي ذكراها، كأحمد عرابي ومصطفى باشا كامل ومحمد فريد وسعد زغلول، وطمس غيرهم من الشخصيات ورفع أسمائهم من على لافتات الشوارع وتماثيلهم من الميادين، منهم نوبار نفسه حين تم رفع تمثاله من حديقة الشلالات بالإسكندرية عام 1965.

ولكن بعد مرور مائة عام كامل على كتابة تلك المذكرات، تغيرت الأنظمة والأفكار وكثير من الأشخاص، فكانت رؤيتهم بأنه أخيرا حان الوقت. ولكن ذاكرة التاريخ لا تتغير ولا يتم محوها او التشويش عليها بمجرد روايات قصصية تصلح كعمل درامي او لتسلية العجائز حول نار المدفأة في ليالي الشتاء. 

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)