في عام 332 ق.م. اتجه الإسكندر الأكبر بجيشه غازيا نحو مصر، ودخل العاصمة ممفيس وزار معبد الإله «بتاح» وتوج ملكا على البلاد، ثم زار معبد امون في سيوه ونادوا به ابنا للإله «آمون»، على اساس ان الكهنة اعتبروه مخلصا لهم من نير الاحتلال الفارسي (للمزيد طالع هنا). وفي طريق العودة مر بقرية صغيرة قريبة من ساحل البحر يقطنها مجموعة من الصيادين ورعاة الأغنام اسمها قرية «راقودة» أو «رع قدت» أو «قرية الأله رع». فأعجبه موقعها وبدأ يفكر جديا في بناء مدينة كبيرة على ساحل البحر لتكون قريبة من بلاد اليونان وتحمل اسمه وتكون عاصمة للبلاد فأسس مدينة الإسكندرية. تدوينة اليوم عن نشأة الثغر في عصر الأسكندر وخلفاؤه.. خليكو معانا..
كان الإسكندر موفقا الى حد كبير في اختيار الموقع ذو المزايا المتعددة، فهو شريط من الأرض ضيق من المنتصف ممتد الجانبين يحده البحر المتوسط من الشمال وبحيرة مريوط من الجنوب وعلى مقربة من الشاطئ توجد جزيرة صخرية غير مأهولة اطلقوا عليها اسم جزيرة فاروس، يمثل حماية للمدينة كما يحمي المراكب الشراعية حين اقترابها من المدينة فتشكل ميناء طبيعي مستقر بعيداً عن التيارات المائية التي تنحر في شواطئ رشيد و دمياط و الفرما (بورسعيد). أما بحيرة مريوط من الجنوب فكانت تصل المدينة بالنيل عن طريق ترعة شيديا (المحمودية حاليا) وهكذا تستطيع المدينة ان تتصل بالبحر الأحمر وهو طريق التجارة الى اليمن والشرق الأقصى وهذا يؤهل المدينة لأن تكون مرفأ هام يستقبل البضائع القادمة من والى اوروبا وتنتقل منه الى حيث وجهتها المنشودة، وهذا ما كان الإسكندر يطمح الى تحقيقه بعد اتساع إمبراطورتيه في فارس والهند واوروبا واسيا الصغرى، فكانت عبقرية الموقع وكأنه يتوسط إمبراطورية الإسكندر الواسعة.
كانت
الاسكندرية في العصر البطلمي ممتدة من الشرق للغرب على شكل مستطيل ما بين بحيرة
مريوط والبحر المتوسط، تنقسم الى شوارع متوازية تتقابل مع الشوارع الممتدة من
الشمال الى الجنوب في زوايا قائمة ويتخلف عن تقاطعها مربعات صالحة لإقامة المباني
والبيوت عليها، وكانت تمتد من على جانبي كل شارع سلسلة من الباكيات والعقود تحملها
اعمدة رخامية وتماثيل لآلهة اليونان لتزيين الشوارع، وكذا لحماية المارة من وهج
الشمس. وأهم هذه الشوارع طبقا لتحقيقات الفلكي باشا كان الشارع الكانوبي (مكان
شارع فؤاد حاليا) ويمتد من الشرق للغرب وعرضه 30 متر تقريبا، نهايته باب الشمس
(الشرقي) وبدايته باب القمر (الغربي)، يتقاطع مع شارع السوما أو الجسد (النبي
دانيال) الممتد من الشمال للجنوب، وكانت الشوارع مرصوفة بالبازلت الأسود والأصفر.
وتنقسم المدينة الى خمسة احياء تتخذ الحروف الهجائية الأولى من اللغة اليونانية (ألفا – ڤيتا – جاما – دِلتا – إبسيلون) وكان اهمها الحي الملكي أو حي (α) في شرق المدينة (مكان جزء من حي الأزريطة ومحطة الرمل والحي اللاتيني) ويحده شارع السوما من الغرب وحي اليهود من الشرق (β)، وطريق كانوب من الجنوب ورأس لوخياس (السلسلة) من الشمال. وكانت تقوم فيه القصور الملكية ودار الحكمة (المكتبة) ومعبد القيصرون وحدائق غناء كانت في مكان عالي تتسح لها الأشراف على الميناء والبحر. وفي هذا الحي اقيم قبر الأسكندر أو النصب التذكاري له في منطقة يقال لها بانيوم (كوم الدكة حاليا) وكان أكثر مواقع المدينة ارتفاعا وكان يصعد اليه بسلم حلزوني ومن يعتليه يمكنه مشاهدة المدينة من اولها لأخرها. والى الشرق من البانيوم يوجد دار المحكمة ويليها الجيمنازيوم وهو الملعب الكبير الذي يطل على طريق كانوب حي (γ). والى الشرق يوجد حي (δ) أو حي اليهود (جزء من حي الأزريطة الحالي) وبه مساكنهم ومقابرهم، فمنذ قديم الأزل شكلت الجالية اليهودية تكتلا كبيرا في اغلب مدن البحر المتوسط وكان لها أثرها الملحوظ في الحياة السياسية والأقتصادية. وفي الجنوب الشرقي كان هناك قرية راقودة القديمة وكانت تسمى الحي الوطني أو حي (έ) (تقريبا منطقة عمود السواري والبياصة) وفيه يسكن اهل البلد، وفي هذا الحي كان يوجد معبد السيرابيوم وكان ذو معمار اسطوري، فيذكر المؤرخ استرابون انه كان على ربوة عاليه يصعد اليه عن طريق 100 درجة سلم، تحيط به ابهاء واسعه وحدائق جميلة وتزينها اعمدة ضخمة وتماثيل جميلة. انشاه البطالمة لعبادة إله جديد يعتبر خليطا ما بين الثقافة اليونانية والديانة المصرية القديمة فنتج الألة سيرابيس، وبجوار المعبد يوجد معبد اخر صغير لعبادة الألة أنوبيس وهو ايضا خليط مصري يوناني يهدف لدمج الثقافتين معا.
ويحيط
بالمدينة سور ضخم ذو ابراج وحصون كثيرة وأبواب، وقد بدأ بناء الأسوار من عهد
الأسكندر ثم أتمها البطالمة وزاد فيها وفي تحصينها الرومان بعد ذلك. وهذا السور هو
الذي كان يحدد المدينة المأهولة وكان يبدأ غربا من مهاية طريق كانوب ويمتد محازيا
لساحل البحر الى رأس لوخياس ثم ينحدر جنوبا الى ان يلاقي ترعة شيديا ثم يسير
محاذيا لها الى ان يتصل بالنقطة التي بدأ منها في شكل مستطيل تقريبا، كشف الفلكي
باشا عن اجزاء عديدة منه فوجد عرض اساساته حوالي خمسة أمتار وقد أخذت احجاره من
محاجر المكس. أما خارج السور شرقا وغربا فكانت رمال ممتدة غير
مأهولة بالسكان تتخللها اشجار ونخيل، وفي عصور بطلمية متاخرة خرجت المقابر خارج
نطاق المدينة (عند نهاية حي الشاطبي الحالي وبداية كامب شيزار). وقد عثر الفلكي
باشا الى بقايا ميدان كبير لسباق الخيل في مكان نادي سبورتنج الحالي ومقبرة بها
رفات بعض المتطوعة الأجانب في الجيش البطلمي في حي الأبراهيمية الحالي، ثم تتصل
الرمال في طريق يمتد الى مدينة كانوب (ابو قير الحالية) وكانت تقع عند مصب الفرع
الكانوبي للنيل.
وفي العصر البطلمي، تم اضافة رصيف حجري طويل يصل الشاطئ بجزيرة فاروس، كان طوله سبعة وحدات يونانية (إستاد) ولذلك أطلقوا عليه اسم «هيبتا ستاديوم» وكان عرضه حوالي 30 متر وقد ساهم البحر في زيادته عبر الزمن عن طريق الطمي والأضافات التي تراكمت عبر الزمن. كانت بدايته عند كوم الناضورة في الوقت الحالي ونهايته عند شارع ابو وردة (قرب مصلحة المواني والمنائر) وقد ساعد الرصيف على خلق مينائين طبيعيين بدلا من ميناء واحد، تم استخدامهما طوال العصر البطلمي والروماني وان كان التميز للشرقي في العصر البطلمي وللغربي في العصر الروماني والعربي فيما بعد. وعلى رأس لوخياس (السلسلة) كانت تقام القصور الملكية ومعبد الأله بوسيدون (إله البحر) فقد كانت في عصورها القديمة أكبر واعرض من الوقت الحالي. وعلى جزيرة فاروس تم انشاء فنار عالي كان ولفترة طويلة معلم من معالم المدينة الى قرب نهاية العصر المملوكي تقريبا، كان مكونا من ثلاثة ادوار الأول مربع والثاني مثمن والثالث مستدير وارتفاعها كاملا حوالي 120 متر، وكان يحيط بالقمة ثمانية اعمدة تحمل قبة ضخمة مغطاة بشكل مخروطي مدبب وفي داخلها مصباح كبير يرسل اشعته عبر مرآه مقعرة كبيرة الى عرض البحر ليهدي السفن الوافدة الى الميناء، وكان يعلو هذه القبة تمثالا من البرونز للأله بوسيدون ارتفاعه حوالي 7 أمتار ظل قائما الى بداية العصر المسيحي. ورَدَ ذكرها في كتابات العديد من المؤرخين والرحالة كالأدريسي وابن بطوطة وابن الفقية وابن حوقل والمقدسي وابو الحجاج يوسف المالكي الأندلسي والذي ترك ادق وصف للفنار في القرن السادس الهجري.


.jpg)
_-_TIMEA.jpg)