في عام 30 ق.م. دخل أوكتاڤيوس قيصر بجيوشه مدينة الإسكندرية إثر انتصاره على ملكة مصر كليوباترا السابعة ومواطنه الروماني أنطونيوس، فأصبحت مصر ولاية تابعة للإمبراطورية الرومانية فتراجعت الإسكندرية من عاصمة لدولة مستقلة الى مدينة كبرى في ولاية تابعة لإمبراطوريه تبعد عنها بألاف الأميال في البحر. وإن كانت قد حافظت على مكانتها التجارية والعلمية والمعمارية، فقد أعجب الرومان بمبانيها، وصارت قصور البطالمة بعد ان تركوها منازل ينزلون بها حين يحلون بالإسكندرية ففقدت بهاءها ورونقها السابق، وجاءت بعد ذلك العديد من المحن بعد دخول المسيحية ادت الى انحسار المدينة وتقلُّص الكتلة السكنية بها وزوال الكثير من معالمها الجميلة. ودا موضوع تدوينة اليوم. تعالوا نشوف..
معبد “القيصرون”.. أهم معلم سكندري قديم
كانت ملكة مصر
العظيمة كليوباترا قد بدأت في بناء معبد تكريما لزوجها الأخير
أنطونيوس على مساحة واسعة في موضع محطة الرمل الحالية وخلف السفارة الأيطالية
بالكورنيش ومبنى الغرفة التجارية وحتى مبنى كاتدرائية الأقباط والمعبد اليهودي،
ومن شارع النبي دانيال غربا الى شارع صفية زغلول (تقريبا) شرقا، ثم أكمله الرومان
في عهد أوكتافيوس حتى انتهى، فأضاف له مسلتين جلبهما المهندس پونزيو Ponzio من معبد أون (عين شمس) تقريبا الأسرة 18،
وجعلهما بمدخل المعبد الجديد عام 13 ق.م. فكان تحفة للناظرين. وقد وصفه المؤرخ السكندري
فيلون في منتصف القرن الثاني الميلادي بأنه «حرم مقدس لا يوجد مثيله في العالم
بأسره، تبدو معالمه واضحة جليه للقادم من مدخل المرفأ، ولا يخطئه انسان لعظم حجمه.».
تحول القيصرون الى كنيسة في العصر البيزنطي 354م وظل اليعاقبة والملكانيون
يتنازعون على ملكيته الى ان خرب وتهدم في حريق كبير عام 912م. وقد ظلت المسلتان
باقيين الى نهاية القرن التاسع عشر حتى بعد خراب المنطقة المحيطة به لقرون طوال،
فساعدت اغلب الأثريين على دراسة طبوغرافية المدينة وتحديد مواقع شوارعها القديمة
ومبانيها ومنشآتها، وكانت من معالم المدينة مع عمود السواري. تحدث عنهم اغلب
الرحالة الذين زاروا الأسكندرية ورسمهما الفرنسيين في كتبهم عن مصر عام 1801م الى
ان ذهبت احدى المسلتين الى نيويورك والثانية الى لندن .
“نيكوبوليس”.. مدينة خارج المدينة
وقد بنى
الامبراطور أوكتاڤيوس مدينة لجنوده شرق مدينة الإسكندرية على شاطئ البحر في
المنطقة الواقعة بين سيدي جابر وجليم والى الوراء حتى طريق ابو قير الحالي، وسماها
«نيكوبوليس» تيمنا بالنصر على كليوباترا وأنطونيوس، وقد ظلت مقر اقامة الجيش
الروماني طوال العصر الروماني حتى اندثارها نهاية العصر البيزنطي، في حين ظلت الإسكندرية
ميناءا هاما على البحر المتوسط تأوي اليه السفن من كل مكان تحمل مختلف اصناف البضائع
والمسافرين، تنبعث الأنوار من فنارها العجيب تهدي تلك السفن وتجذبهم الى شواطئ
مصر، كما كانت المدينة تضج في الداخل بألوان من النشاط التجاري والعلمي والثقافي،
واسواقها تنتعش بأجناس البشر والتجار والأثرياء من كل الدنيا، وردهات متاحفها
وغرفات مكتبتها الشهيرة تضيق بالعلماء والفلاسفة وطلاب العلم من مصر وكل مدن البحر
المتوسط.
“الإسكافي الطيب”.. او البطريرك الأول
في أحد ايام
العام 45م دخل المدينة من باب القمر (غرب المدينة) كهلا رقيق الحال رث الثياب كثيف
اللحية أتيا من برقة سائرا على قدميه، ودلف الى شوارع المدينة فدخل الحي الوطني
المزدحم بالفقراء، فلما أنهكه السير واشتدت عليه الشمس أوى الى مظلة عند اسكافيا
رآه ينهمك في خصف النعال، فدار حديثا عابرا بينهما ما لبث ان امتد وطال بعد ذلك،
فصار ذلك الإسكافي تابعا لهذا الرجل، فكونا نواة لأقدم كنائس العام المسيحي والتي تأسست
في منزل الإسكافي وصارت تعرف باسم «بوكاليا» وهي الأن في موضع الكاتدرائية
المرقسية الحالية. فكان الرجل الكهل هو القديس «مَرقُس» أول من بشر بالمسيحية في
مصر، والإسكافي هو الأنبا «إنيانوس» أو البابا انيانوس أول بطريرك لكنيسة الإسكندرية.
وانتشر الدين
الجديد في الإسكندرية بسرعه عجيبة أذهلت الرومان وأقلقت مضاجعهم، ومن الإسكندرية
خرج المبشرون لسائر مدن مصر. فكانت العقيدة الجديدة تحمل أفكارا مألوفة لدى
المصريين في وثنيتهم، فقد عرف الفراعنة التوحيد على يدي أخناتون، فعندما نادت
المسيحية بالتوحيد لم يكن ذلك غريبا. كما كانت فكرة الثالوث ايضا مألوفة في
الديانة المصرية في العصر الفرعوني (أمون / موت / خنسو)، وفي العصر البطلمي (ايزيس
/ أوزيريس / حورس)، كما كانت فلسفة التعميد قريبة من طقوس الغسل بالماء المقدس قبل
الدخول الى قدس الأقداس في معبد الأقصر وغيره، كما لمس المصريون في المسيحية مزيد
من الروحانيات التي افتقدوها في ديانتهم الوثنية سواءا في الإسكندرية أم في ممفيس
أو مصر العليا، وهذا يفسر سرعة انتشار المسيحية في مصر. وهكذا اصبحت الإسكندرية
مقرا لواحدة من أقدم كنائس العالم المسيحي القديم، فزادت من الأهمية الروحية
للمدينة في سائر مدن المتوسط وزهد اليها مزيد من الراغبين وظهر فيها عدد كبير من
رجال الفكر المسيحي مثل «اكليمندس» السكندري و«أريجانوس» الفيلسوف وغيرهم.
الرومان يرفضون العقيدة الجديدة
ولم يكن
انتشار المسيحية في بادئ الأمر امراً محموداً لدى الرومان، فقد رفض المسيحيون
عبادة الأمبراطور الى جانب آلهة الرومان المعروفة مما اعتبره الرومان خروج عن
الطاعة وتمرُّد، فصبوا على المسيحيين الأوائل سائر اصناف العذاب!.. تجلى ذلك في
عهد الإمبراطور دقلديانوس (284-311م) فيسجل مؤرخو الكنيسة اصنافا من العذاب التي
زادت المسيحيين السكندريين اصرارا على عقيدتهم وبُعداً عن الرومان وكل ما يربطهم
بهم، الى جاء العام 313م وجاء معه الخلاص باعتراف الإمبراطور قسطنطين بالمسيحية
دينا من ضمن اديان الدولة الرومانية، فتوقف الاضطهاد واعتُبر من ماتوا من جراء
التعذيب «شهداء» واحتفى بهم أهلهم بعد أن جهروا بعبادتهم دون خوف.
العقيدة المسيحية تثبت أقدامها
وانتقل
المسيحيون بعقيدتهم من مرحلة النضال لمرحلة الدراسة والفكر ومن ثَم نشأ اختلاف
المذاهب، فظهر من بينهم «آريوس» بما يحمل من أفكار دعى اليها وأمن بها كثير من
السكندريين وبدأت تنتشر خارج المدينة، فأقلق ذلك بعض رجال الكنيسة وبدأوا يحاربون
ذلك الفكر الأريوسي الجديد بصورة لفتت نظر الإمبراطور في «بيزنطة»، فجمع رجال
الدين في مدينة «نيقيا» عام 325م وظلوا يتحاورون امامه، فاستطاع الانبا «إثناسيوس»
ان يدحض مزاعم «أريوس»، فصدر قرار الإمبراطور في أول مجمع مسكوني مسيحي بإدانة
«آريوس» والقضاء على تعاليمه فاندثرت مما زاد المسيحيون قوة، فبدأوا ينتشرون بين
الوثنيين بصورة اكثر حرية ويدعونهم لدينهم دون ان يخشون اضطهادا، وقد استولى
الرهبان بقيادة الأنبا «اثناسيوس» عام 354م على معبد القيصرون الكبير وحولوه
لكنيسة فكانت المسيحية الدين الأكثر انتشارا في الإسكندرية بعد ذلك. وقد رفض الرهبان
تمسك الوثنيون بدينهم ورفضهم للمسيحية فصاروا يحاربونهم في كل مكان، فاقتحموا مجلس
الفيلسوفة اليونانية «هيباتيا» وقتلوها مع عدد كبير من طلبتها عام 415م كما
اقتحموا مكتبة الإسكندرية وأحرقوا جزء كبير من مخطوطاتها وقتلوا كثير من روادها
بدعوى انها تحمل الفكر الهلينستي الوثني، واقتحموا معبد السيرابيوم جنوب المدينة
عام 395م وحطموا تماثيله وقتلوا من فيه واشعلوا النار في مكتبته فصار خرابا بعد
ذلك لقرون طويلة، وكان ذلك ايذانا بانتهاء الوثنية من مصر والى غير رجعة.
الخلاف “الانشقاق” بين الكنائس
وحينما نشأ
فكر جديد يحمل رأيا في طبيعة السيد المسيح في بيزنطة «القسطنطينية» رفضته كنيسة الإسكندرية،
فانعقد مجمعا مسكونيا اخر في مدينة «خلقدونيا» عام 451م لمناقشة الأمر، وأنزل
الأمبراطور البيزنطي سخطه وغضبه على وفد الإسكندرية برئاسة الأنبا «ديسقوروس»
فجرده من منصبه ونفاه، وقضى المجمع بالأخذ برأي كنيسة القسطنطينية القائلة
بالطبيعة المزدوجة للمسيح ورفض عقيدة كنيسة الإسكندرية، فنشأ الخلاف بين الروم
الأرثوذوكس (الملكانية) والأقباط الأرثوذوكس (اليعاقبة) والذي هو قائم لليوم. وقد
حاول البيزنطيون نشر مذهبهم بالقوة في مدينة الإسكندرية فعاد من جديد عهد الاضطهاد
لكنيسة الإسكندرية ورجالها وشعبها، فكان النضال نابع من الأيمان بالعقيدة والتمسك
بالقومية، فكره المصريون كل ماهو بيزنطي، ورفضوا البطريرك الذي عينه وأرسله لهم
الإمبراطور في القسطنطينية وتمسكوا ببطريركهم الذي هرب من الاعتقال وسكن هو
ورهبانه منازلا اتخذوها في الصحاري في وادي النطرون ومريوط والساحل الشمالي،
يرسلون لشعبهم الرسائل تحمل الأفكار التي تقوي عقيدتهم وتحميهم من الهجوم الفكري
والقهري الرهيب الذي ساقه البيزنطيين ضدهم، وظلوا هاربين الى ان جاء القائد عمرو
بن العاص بجيشة غازيا لمصر عام 641م فأرسل يستدعي بطريرك الأقباط الأنبا «بنيامين»
ويمنحه الأمان ويعيده الى مكانته وكنيسته .
اهم كنائس الإسكندرية في العصر المسيحي
في العصر
المسيحي أخذ المسيحيون السكندريون يحيلون بعض المعابد الوثنية الى كنائس أو
يهدموها بالكامل، اضافة الى انشاء العديد من الكنائس الجديدة والتي نجد تسجيل ووصف
لها في كتابات المؤرخين والرحالة الذين زاروا مصر في القرون الوسطى، نذكر منها:
- كنيسة القديس مرقص البشير: بنيت عام 311م وكانت عبارة عن مقصورة صغيرة للعبادة على ساحل الميناء الشرقى قبالة رأس لوخياس (السلسلة) وفيها دُفِنَ جثمانه ومنها سَرقه بعض البنادقة وأخذوه الى بلادهم عام 828م.
- كنيسة القديس إثناسيوس: وانشئت حوالي عام 370م وكانت في موضع مسجد العطارين الحالي، وقد انشئ المسجد على انقاضها في العصر الفاطمي باسم «جامع الجيوشي» نسبة لأمير الجيوش بدر الدين الجمالي، حتى ان علماء الحملة الفرنسية أطلقوا عليه اسم «مسجد سان إثناسيوس».
- كنيسة القديس ميخائيل: وقد اختلفوا في تحديد موضعها الأصلي، فقيل انها كانت بنهاية الحي الملكي الى الجنوب قرب مبنى المتحف الروماني الحالي، ومنهم من يقول انها بنيت على جزء من انقاض معبد القيصرون بعد زواله (ليست بمكان بعيد عن الموضع الأول)، وقد خربت وزالت معالمها منذ القرن الثاني عشر الميلادي.
- كنيسة يوحنا المعمدان: وقد اقيمت على انقاض معبد السيرابيوم جنوب المدينة عام 391م، وقيل انه قد حُفِظ بها رفات النبيين يوحنا المعمدان (يحيى بن زكريا) وأليسع عليهما السلام، وقد خرِبَت ايضا تلك الكنيسة اواخر القرن العاشر الميلادي.
- كنيسة العذراء مريم: وقد بنيت عام 300م بالقرب من الميناء الغربي، واعتبرت البطريركية منذ انشائها، وبني بجانبها دار البطريركية وظلت الى ان تهدمت في القرن الحادي عشر وقام على انقاضها مسجد كبير سجله علماء الحملة الفرنسية عام 1809م باسم «مسجد الألف عمود» لكثرة ما به من اعمدة، وكان في منطقة كوم الناضورة الحالية، ولكنه غير موجود.
هذا الى جانب الأديرة والكنائس التي بناها
المسيحيون الأوائل في المناطق النائية هربا من الاضطهاد ولنشر المسيحية خارج الإسكندرية
بين سكان المناطق النائية مثل كنيسة مار مينا العجايبي والذي بناها الإمبراطور
«أركاديوس» تقريبا عام 408م في موضع نائي يبعد عدة اميال جنوب بحيرة مريوط (برج
العرب حاليا)، ومعبد أبو صير بالساحل الشمالي الذي احاله المسيحيون الى دير يسكنه
الرهبان والآباء في العصر البيزنطي.



