في عام 1501م، وفي بداية عهد السلطان المملوكي قنصوة الغوري، جاء الى القاهرة وفد من تجار فينيسيا يعرضون على السلطان فكرة الإستغناء عن طريق القوافل واستبدالها بالنقل البحري بحفر قناة تصل بين البحرين الأحمر والمتوسط.
وكانت فكرة حفر القنوات غير بعيدة على المصريين، فقد سبق وأمر القائد عمرو بن العاص عام 645م، أول والٍ لمصر في عصر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، بإعادة حفر قناة سيزوستريس القديمة وسماها خليج امير المؤمنين. كما أعاد السلطان الظاهر بيبرس عام 1265م حفر خليج الإسكندرية، وكان فيما مضى فرعاً للنيل يخرج من الفرع الكانوبي، فعندما جفَّ خلال العصر الفاطمي، أعاد الظاهر تطهيره وتعميقه ومده ليخرج من فرع رشيد، وظل يخدم حركة التجارة بالثغر إلى أن جفَّ مرة أخرى نهاية العصر المملوكي.
ويبدو أن السلطان الغوري لم يستوعب ذلك المشروع للوهلة الأولى، أو لم يُدرك أهميته! أيضا حالت ظروف البلاد الاقتصادية دون إتمامه في ذلك الوقت. ولكنه أُعيد إلى الأذهان مرة أخرى عام 1508م عندما تحالف الجنويين والنابوليين مع البرتغاليين، ليحصلوا على مكاسب من التجارة عبر طريق رأس الرجاء الصالح، فذهب وفد من التجار البنادقة (فينسيا) مرة أخرى ليعرضوا على السلطان الغوري مشروع القناة من جديد، لتكون حافز لإعادة التجارة مرة أخرى للطريق القديم، وحافزا أكبر للدول للاشتباك مع البرتغاليين بالسلاح لو أصروا على طريقهم الطويل عديم الخدمات! ولكن لسوء الحظ، وردت في نفس التوقيت استغاثة سلطان گوچرات محمود بجادة لمواجهة البرتغاليين في ديو، فرفض الغوري الكلام بشأن المشروع، وطلب من البنادقة أن يقدموا المساعدة، وبالتالي مات ذلك المشروع قبل أن يولد!
ولكنه عاد وظهر مرة ثالثة، حين اقترحه الفيلسوف الألماني المعروف لايبيتز على الملك لويس الرابع عشر ملك فرنسا عام 1672م في إطار مشروع شامل لغزو مصر واستعمار أرضها، ليصرف نظره عن غزو بلاده، والذي كان ملك فرنسا يعد العدة بشأنه. ولكن الملك لويس لم يرغب في إغضاب الباب العالي، أو بمعنى آخر فتح جبهة عداء جديدة في الأستانة، وهو مقبل على الحرب، وأيضا لأن أحلامه التوسعية كانت محصورة في أوروبا دون غيره.
