كيف جاءت لغة قريش من بين لغات العرب؟

طارق الشافعي
كتب
0
كانت اللغات كثيرة؛ لأن العرب كانوا قديما شعوبا وقبائل وتحت كل قبيلة بطون متعددة، ثم الأفخاذ ثم العشائر ثم الفصائل تجمعها الأحياء، وقد ظهر الاختلاف في الفروع واللهجات لا في أصل اللغة ذاتها. وهذا الاختلاف لم يمنع اللغة من لزومها طريقة واحدة وحدًّا معروفًا. 

ومن المؤكد أنَّ الرواة والعلماء لم يدونوا اللهجات على مناطق العرب قبل تهذيب قبيلة قريش للغة، ولكنهم تناقلوا من ذلك أشياء كانت لعهد الإسلام، وأشياء أصابوها في أشعار العرب؛ لأجل هذا لا يمكن الأخذ برواية أبي عمرو بن العلاء على تشويشها وتشويهها واقتطاعها، كأنها حلقة مفصومة من سلسلة الاستدلال، ونؤكد بطريق الاستقراء والبحث العلمي أنَّ أعظم علماء اللغة العربية لم يدونوا شيئًا من اللهجات بوصف كونها أصلًا من أصول الدلالة التاريخية في اللغة، ولم يذهب إلى هذا العمل ذهن أحدهم، ومما يثبت أنَّ اللهجات والفروع وإن اختلفت فإن الأصل ثابت لم يتحول. إنَّ لغات الجنوب والشمال قد تداخلت جمعها بعد الإسلام، وصارت لغة واحدة هي العربية القرشية ما عدا فروقًا قليلة بقيت في المنطق، كأنها أدلة أثرية، فلو أنَّ لغة حمير مخالفة مخالفةً تامة، لما أمكن اندماجها في اللغات الأخرى. وقد اتفق علماء اللغة العربية والباحثون في أصولها على أن معنى اختلاف اللغات يرجع في جميع مناحيه إلى ثلاث مسائل:

    الأولى: تباين اللهجات وتنوع المنطق، وتشمل اختلاف بعضهم في صيغة اللفظ أو كيفية النطق به، كقولهم: ظحى بصبي؛ أي ضحى بظبي، ولغة بكسر اللام بدلًا من ضمها.

    الثانية: اختلاف الدلالة للفظ الواحد باختلاف اللغات التي تنطق به، ومن هذا النوع المترادف والأضداد كاستعمال السكين للدلالة على المُدية.

    الثالثة: ما يكون قد انفرد به عربي مع أطباق العرب على النطق بخلافه، ولهذا النوع شأن لجواز أن يكون ذلك وقع لهذا الأعرابي من لغة قديمة، طال عليها العهد وبادت آثارها.



والدليل على صحة تفسيرنا للنبذة المروية عن أبي عمرو بن العلاء ما رواه أبو بكر الزبيري الأندلسي في طبقات النحويين: قال ابن نوفل: سمعت أبي يقول لأبي عمرو بن العلاء: أخبرني عما وضعت مما سميت عربية، أيدخل فيه كلام العرب كله؟ فقال: لا، فقلت: كيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهم حجة؟ قال: أحمل على الأكثر وأسمي ما خالفني لغات. ومن هنا يُفهم معنى كلمة «لغة» التي استعملها مؤلف الشعر الجاهلي، فليس المقصود بها معناها الأصلي، إنما يقصد بها تباين اللهجات وتنوع المنطق، أو اختلاف الدلالة للفظ الواحد، أو انفراد شخص أو فصيلة بلفظ أو تركيب، والحق الذي لا ريب فيه هو أنَّ العلماء إنما يريدون بلغات العرب ما كان باقيًا لعهدهم على ألسنة من أخذوا عنهم من القبائل، وهم أقوام يمكن حصرهم والإحاطة بلهجاتهم.
الأقسام :

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)