في عام 2015 اقامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بالقدس متحفا باسم (أرض التوراة) عرضت فيه 200 لوح طيني مدونا عليها باللغة الأكادية البابلية بالخط المسماري، تم تهريبها من العراق في أوقات سابقه، توثق لمرحلة تاريخية حرجة تتعلق بالسبي البابلي لليهود وبأسلوب المدرسة البابلية في التدوين، الذي يحرص فيه كاتب اللوح على ذكر اسمه وتاريخ التدوين مع اسم الملك الحاكم وسنة حكمه آنذاك. وهذا يشير الى أن هذه الألواح تسبق زمن ظهور النبي اليهودي “عزرا” الكاتب الذي جمع ودوّن نصوصا مهمة في العهد القديم، وبذلك فهي تسبق التدوين الرسمي للتوراة كما نعرفها الآن، لأن تدوينها كان بعد العودة من بابل وباللغة العبرية القديمة.
وتعود تلك الالواح الى عام 572 قبل الميلاد حين كانت بلاد النهرين تحت حكم السلالة البابلية الحديثة (الكلدانية)، وأحدثها يرقى إلى عام 477 قبل الميلاد خلال الاحتلال الأخميني الفارسي لبلاد النهرين، وأهم تلك الألواح هي التي تورد تفاصيل عن الحياة اليومية للمستوطنين اليهود. وتخالف بذلك عديد من المفاهيم التي تعتبر أكاذيب أشيعت بخصوص السبي البابلي الأول لليهود من أرض فلسطين وتدّعي المظلومية التاريخية لجموعهم في أرض بابل، في حين تثبت تلك الألواح أنهم كانوا يتمتعون بحقوق وامتيازات كثيرة، فتؤكد على انهم قد اندمجوا مع أهل البلاد في العراق القديم، ومارسوا التجارة والزراعة، بل أن البعض منهم عمل في إقراض المال، حيث تتحدث النصوص عن نوع من البيوت الربوية كان يُقرض المال للبابليين، وهو العمل الذي ظل لصيقا باليهود في فترة شتاتهم بين الأمم الأخرى. وهذا دليل على سعة الأفق والحرية التي كانوا يتمتعون بها، بل أن غالبيتهم رفضوا العودة إلى فلسطين في زمن الملك قورش الثاني منتصف القرن السادس قبل الميلاد، وفضلوا البقاء في بابل.
هذه الألواح بلا جدال مسروقة من أرض العراق ومهربة بمعرفة بعض عصابات التهريب، والتي تتولى عمليات الحفر أو النبش العشوائي للمواقع الأثرية، منذ زمن الاحتلال الأمريكي مطلع الألفية الجديدة وحتى الأن، وبرغم تحريك العراق لمئات القضايا الدولية لإستعادة تلك الآثار المهربة، ولكن لعدم وجود أية علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، فإن اغلب تلك المساعي تؤول الى الفشل، ولو تدخلت اليونيسكو فإن السلطات الإسرائيلية تتمسك بحقها التاريخي في عرض تلك الاثار التي تلقي الضوء على حقبة هامة من تاريخهم القومي.
