كان سريع الغضب، حاد الطباع، متقلب المزاج، يعشق التنكيل بالسياسيين، ويضرب وكلاء الزراعة وكبار موظفيها بـ"الشلّوت". لا يخلع نظارته الشمسية التي يرتديها، حتى في المساء وفي الاجتماعات الرسمية. عُرف ببذاءته وسلوكه غير اللائق، ونزوعه دائماً إلى العنف والتسلط. انه صلاح مصطفى سالم، او ماعرف لاحقا بالصاغ صلاح سالم. أحد تسعة أعضاء في اللجنة التنفيذية التي قادت عملية تغيير سياسي غيّرت وجه مصر، وأول الراحلين من قادة تنظيم الضباط الأحرار الذين أطاحوا بالملكية في 23 يوليو 1952.
وبعد نجاح السيطرة على مقاليد الامور عام 1952 وخلع الملك بنجاح واعلان وزارة علي ماهر، اختار سالم لنفسه وزارة (الارشاد القومي) او الاعلام حاليا، ويعترف سالم بأنه كان مجرد واجهة لعبد الناصر، ويصفه بأنه كان الوزير الحقيقي، وأن معظم العاملين في هذه الوزارة كانوا يتلقون تعليماتهم من عبد الناصر، حتى الرقابة على الصحف ومسألة التعليقات الداخلية والخارجية التي تبثها الإذاعة المصرية. وأيضا شغل سالم منصب وزير الدولة لشؤون السودان، بجانب إشرافه على شؤون وحدات الجيش المصري في السودان، ومن هنا بدأت صلته بالسودان وارتبط تاريخه ودوره بالمسألة السودانية.
ويروي الرئيس الراحل محمد نجيب في مذكراته "كنت رئيساً لمصر"، أنه في اغسطس 1952 طلب من المسؤولين عن الملف السوداني إعداد مذكرة حول الوضع في السودان ليعرضها على الضباط الأحرار، ولكن انزعج الضباط من حجمها الضخم، وقالوا لنجيب إن مشكلة السودان يمكن تلخيصها في كلمتين، وتركوا الامر كله لصلاح سالم بدعوى انه اكثرهم علما بالشأن السوداني كونه مولود هناك ويستطيع التعامل مع الملف، ولم يقرأ الضباط المذكرة، مما يدل على غياب الوعي السياسي لديهم في ما يتعلق بالسودان. يقول سالم في مذكراته: "لم أحلم يوماً بالعمل في قضية السودان، ولم تكن لي أي دراية أو خبرة سابقة... بل لم أقرأ في حياتي قبل 23 يوليو عن السودان، سوى النزر اليسير... ".
ومنذ بروز قضية السودان في الملف المصري عام 1936 رفض النخبة والقوميون بل والملك فاروق نفسه فكرة انفصال السودان عن مصر، ورغم عدم اعتراف انجلترا بالأمر، توج الملك فاروق نفسه ملكا على مصر والسودان معا، واعلن رئيس وزرائه مصطفى النحاس تمسكه بالسودان وحل معاهدة 1936 وماينص فيها على شأن مصير السودان. ايضا مال بعض القادة السودانيين امثال إسماعيل الأزهري لفكرة الاتحاد مع مصر على ان يتم منح السودان حكما ذاتيا، واعجب السودانيون بالرئيس محمد نجيب كون امه سودانية وكان قد قضى فترة خدمة طويلة بالسودان ويعرف الكثير عن البلاد، ولكن وبعد عدة زيارات لصلاح سالم للسودان اتخذت حركة الضباط الأحرار منحى مختلفاً تماماً، إذ تم التفاهم مع حكومة الضباط الأحرار، للمرة الأولى، على أن السيادة على السودان ليست لمصر ولا للتاج المصري، ولم يجعلوا الاستفتاء بين الوحدة والانفصال، بل بين الوحدة والاستقلال.
ويقول عبد اللطيف بغدادي في مذكراته ان السبب قد يرجع الى تعامل سالم مع الزعماء السودانيين بمنتهي العجرفة، وكان يستهين بهم ويحتقرهم، ولم يتعامل مع إسماعيل الأزهري على أنه رئيس حكومة منتخب، وإنما كان يُملي عليه أوامره، بحسب ما يروي عبد اللطيف البغدادي في مذكراته. كما أن الإعلام المصري بقيادة صلاح سالم، الذي كان وزيراً للإعلام وقتها، كان يشن حملات عدائيةً يوميةً على الأحزاب الداعية إلى انفصال السودان. ويرى اللواء جمال حماد، وهو أحد الضباط الأحرار، أن سياسة الرشاوى التي اتّبعها صلاح سالم في شراء ذمم بعض القادة السودانيين من المهدية، جعلت الساحة السياسية السودانية خاليةً من المؤمنين بقضية الاتحاد مع مصر، خشية أن تلحق بهم الشكوك في تقاضيهم الرشاوى من سالم، وهكذا لم يبقَ في الساحة سوى الانتهازيين، والبعض يذهب إلى أن سياسة الرشاوى أجبرت الأزهري على رفض الوحدة مع مصر، خوفاً من أن تلاحقه الاتهامات، ولذلك هاجمت الصحافة السودانية مَن أطلقت عليهم مرتزقة صلاح سالم. وعليه، أدى سوء سياسته في السودان وخطابه الاستعلائي إلى تبديل رياح المجتمع السوداني وقادته نحو الاستقلال.
وبعد فشل ملف السودان والتصويت على الانفصال، نشرت بعض الصحف الانجليزية صورا لصلاح سالم يرقص بالملابس الداخلية ونظارته السوداء المعهودة مع بعض القبائل في جنوب السودان وتهكمت على مساعيه التي لم تنجح لقلة وعيه وعدم اطلاعه.

