المدارس النظامية أحد اسلحة الوزير الأكبر نظام الملك لمواجهة الغزو الفكري الشيعي

طارق الشافعي
كتب
0
في عهد الوزير السلجوقي نظام المُلك، انتشر دعاة المذاهب الشيعية في بلاد فارس وعراق العجم والعرب، يدعون لأئمتهم ويروجون لافكارهم ويستقطبون العامة والبُسطاء مستغلين عدم اطلاعهم على الكثير من أمور الدين وكذلك تفشي الأُميه والخرافات وتصديق أولئك البُسطاء لما يروونه لهم باعتباره كرامات ومعجزات. ورغم اعتقال السلاجقة في اصفهان والعباسيين في بغداد لمن كان يقع في ايديهم من اولئك الدعاة، إلا إن ذلك لم يمنع من انتشار الدعوة على الأطراف والمناطق النائية. فكان من رأي الوزير السلجوقي أن ينشر الثقافة عن طريق بناء مدارس للعلم الشرعي في كافة انحاء البلاد، يتم بنائها على نفقة الدولة، ويُوقَف عليها كثير من المحلات والأراضي الزراعية للإنفاق عليها ودفع رواتب المعلمين ونفقات الطلاب. ورغم إنها لم تكن تقليدا جديدا، فقد انتشرت تلك المدارس سابقا في بلاد كثيرة، في فارس ودمشق وقرطبة والقيروان. الفاطميين في وقت سابق انشأوا الجامع الأزهر في القاهرة، واوقفوا عليه مالا كثيرا لينشر الفكر الاسماعيلي في كل البلاد المحيطة. إلا أن ما استحدثه نظام الملك هو مسئولية الدولة نفسها على اقامة تلك المدارس والانفاق عليها واختيار الائمة القائمين على تدريس العلم الشرعي والاشراف عليها بشكل كامل، بدلا من ان تُترك للاجتهادات الفردية والقدرات الشخصية المحدودة.

واشترط الوزير نظام الملك أيضا أن يكون الأئمة الفقهاء القائمين على التدريس كلهم من دعاة المذهب الشافعي دون غيره، فهو المذهب الرسمي لدولة السلاجقة. كذلك تهدف المدرسة الإسلامية إلى توفير جو علمي يساعد الأساتذة والمعلمين على أن يفكروا ويؤلفوا ويبتكروا، فيضيفوا كل جديد إلى العلوم المختلفة بصفة مستمرة. كما أنشأ مكتبات عديدة ملحقة بكل مدرسة وامر بنسخ عديد من الكتب الفقهية والاحاديث والسنن، ووزعها على تلك المكتبات بشكل غير مسبوق، كذلك امر بتوفير خلاوي او اماكن لاقامه الطلبة المغتربين القادمين من بلاد بعيدة وصرف جراية ورواتب لهم ليتفرغوا لطلب العلم وتعيين القائمين على خدمتهم، مما شجع الكثير على الالتحاق بتلك المدارس من كل مكان.

ومن ثم صارت المدارس النظامية من اكبر أسلحة السلاجقة في مواجهة اعدائهم، إذ تُربي الطلاب الذين يأتون إليها من فارس وبلاد الافغان وحتى الأندلس على المذهب السني، فهي بلغة العصر الحديث قوة ناعمة للدولة، وأيضاً تحول دون انتشار المذهب الشيعي والدعاية له، وتدعيم وتقوية الأفكار والأعمال المشتركة في المجتمع. كما أعدت رجالاً للقيام بوظائف في الدولة السلجوقية. الأمر الذي دفع من بعدهم من الاتابكة في الجزيرة الفراتية والشام، والايوبيين في مصر والشام، والايلخانيين في فارس والعثمانيين في الاناضول، ان يحذو حذوهم في ذلك التقليد، وان يستحدثوا عليه تدريس سائر المذاهب السنية، المالكي والحنبلي والحنفي، كما هو الحال في المدارس السنية في القاهرة ودمشق وحلب والموصل خلال العصر المملوكي. الأمر الذي كان وجوده دليلاً على قوة الدولة وسيطرتها على أطرافها ورعيتها في وقت من الأوقات. 



إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)