جامع "عمرو بن العاص" أو المسجد العتيق او تاج الجوامع، والذي أنشئ عام 642 م - 21 ه يُعتبر من أوائل المساجد التي أنشئت في مصر وقارة افريقيا بالكامل، اذ كان من شروط الفتح في عصر الخلافة الراشدة أن تضم المدينة الإسلامية مسجداً جامعاً وحيداً على الاقل لأداء صلاة الجمعة والصلوات الخمس اليومية. وقد أمر ببنائه القائد عمرو بن العاص رضي الله عنه، في نفس العام الذي اتم له فتح البلاد وكان نواة لتأسيس مدينة الفسطاط والتي اتُخذت كحاضرة للبلاد بعد ذلك.
في البداية كان مسجد عمرو عبارة عن مساحه صغيره مبنية بالطوب اللبن ومسقوفة بالجريد المحمول علي جذوع النخيل المحاط بالحصير، وكانت الحوائط ايضا مُبطنة بالحصير، وكان حائط القبلة مسطحاً بلا حنية. وكانت دار الإمارة أو مقر إقامة الوالي ملاصقة لجدار القبلة، متصلة به بباب على غرار مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة. تدريجيا زادت مساحة المسجد حتى صار مكونا من صحن أوسط مكشوف محاط بأربعة أروقه، الرواق يتكون من صفين من الاعمدة، إلا رواق القبلة فهو من أربعة صفوف، ويعلو المسجد مئذنتان إحداهما في واجهة المدخل، والثانية ملاصقة لحائط القِبلة، وهما ذات طراز مربع وترتفع قليلا عن حائط المسجد.
وفي عهد مسلمه بن مخلد الانصاري والي مصر من قِبل معاوية بن أبي سفيان، تم هدم المسجد بالكامل وأعيد بنائه من جديد بتوسعة كبير، وأقيم فيه أربعة مآذن مربعة الطراز ترتفع عن الواجهة قليلا. وفي عهد قُرة بن شريك والي مصر من قِبل الخليفة الوليد بن عبد الملك، تقريبا 715م، تم هدم المسجد مرة اخرى وأعيد بنائه بالحجر بزيادة مساحته للضعف واضافة محراباً مستديرا بحائط القِبلة ومنبراً خشبياً ومقصورة للإمام .
وفي عصر الدولة العباسية في خلافة المأمون، كان والي مصر إسمه عبد الله بن ظاهر قام بتوسعة المسجد حتي وصل إلى 112 * 120 مترا. وفي العصر الطولوني قام خمارويه بن طولون بهدم المسجد تماما واعادة اعماره بالحجر والاعمدة الرخامية وتبطين الحوائط الداخلية بالرخام، حيث أقاموه علي 400 عمود من الرخام بتكلفة 6400 دينار. وفي زمن الاخشيد زادت أعمال الزخرفة من الطلاء بالذهب والفضة ونقوش الفسيفساء، لم يبق منها شيئا بفعل التخريب والهدم الناتج عن حريق الفسطاط في عهد الوزير شاور نهاية العصر الفاطمي عام 1169م.
وفي عهد السلطان صلاح الدين أمر بإعادة إعمار المسجد من جديد، فتم هدمه تماما واعيد بناء صدر الجامع والمحراب الكبير كما تم تغطيته بالرخام وزخرفته. وفي العصر المملوكي والعثماني نزح اغلب سكان الفسطاط للسكن بالقاهرة، ولم يعد بها إلا نفر قليل ممن يعملون بالتجارة والصيد، فانصرف عن المسجد اغلب رواده وانصرفت عنه كذلك صلاة الجمعة إلى مساجد القاهرة، ولذلك لا تسجل الكتب اي عمارة او اضافة للمسجد إلا ما قام به مراد بك شيخ البلد قبيل الحملة الفرنسية عام 1795م، إذ قام بتجديد السقف وفرشه بالحصر وعلق به القناديل، وفي عصر محمد علي باشا أمر باصلاح المسجد وترميمه وإعادة صلاة الجمعة فيه من جديد.
وفي العصر الحديث تولى ديوان (وزارة) الأوقاف تجديد المسجد لاهميته التاريخية الكبيرة عام 1899م بتجديد سقف الإيوان القبلي وبعض من الإيوان الغربي، وفي عام 1940م وقامت لجنة حفظ الآثار العربية بإصلاح شامل بالجامع نتج عنه اكتشاف عدة أجزاء أثرية من عصور قديمة كأبوابه الشرقيه وثلاثة من أبوابه الاربعه بالجانب الغربي .
حاضر بمسجد عمرو بن العاص او تاج الجوامع او المسجد العتيق، كما عرف في أكثر من مصدر تاريخي، عديد من الائمة المشهورين في صدر الاسلام، كالامام محمد بن إدريس الشافعي ، إمام اهل السنه والجماعه، كذلك الإمام أبو الحارث الليث بن سعد ، والشيخ أبو محمد عز الدين ، والإمام العز بن عبد السلام الملقب بسلطان العلماء ، وايضا صاحب السيرة عبد الملك بن هشام". كما جلس في اروقته كبار علماء الحديث كعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وعدد من المؤرخين الذين كتبوا تاريخ مصر واستعرضوا ولاتها وقضاتها بين جنبات هذا المسجد، كابن عبد الحكم وابن زولاق والكندي وغيرهم.




