الفارق الملموس بين دولة بني أمية ودولة بني العباس

طارق الشافعي
كتب
0

بنهاية العام 750م سيطرت الدولة العباسية على كل بلاد العالم الاسلامي، وورث بني العباس ملك بني امية وحلوا محلهم ولكن الملاحظ لنطام الحكم في كلا الدولتين يجد فارقا كبيرا على الصعيد السياسي والاقتصادي والحضاري، او حتى في الشأن الداخلي. تعالوا بنا نلقي الضوء على بعض النقاط.



  • ورثت الدولة الأموية دولة ذات مساحة شاسعة امتدت من بحر قزوين شرقا لبرقة والقيروان غربا، ومن اليمن وبلاد النوبة جنوبا لحدود آسيا الصغرى شمالا، وقد زاد خلفائهم في مساحتها أضعافاً، فامتد نفوذ دولة بني أمية لتخوم الصين شرقا، وعبرت جيوشهم جبال البرانس، ووصلت لأواسط فرنسا حاليا، وامتد أثرهم لأواسط آسيا الصغرى، التي حكموا على دولة البيزنطيين في القسطنطينية ببقاء مدنا عديدة فيها دون سكان، كحدود استراتيجية بين الدولتين. كما وصل الإسلام في عهدهم لأواسط إفريقية عبر دروب التجارة. في حين اكتفى بني العباس بالسيطرة على تلك المساحة الشاسعة دون إضافة الجديد إليها، وكانت أغلب حروبهم دفاعية عن بعض مدن الأطراف او الثغور كما عرفوها، أو انتقامية لتأكيد السيطرة على المناطق الحدودية ليس أكثر.


  • أيضا اتسم نظام الحكم في دولة الأمويين بالمركزية، فكان الخراج يُجمع من الولاية ويُرسل كله لدمشق مهما بلغ، فإن أراد والي الأندلس مثلا إصلاح جسر أو شق ترعه أو بناء سور أو حصن، عليه استئذان أمير المؤمنين وانتظار الموافقة وصرف المبلغ اللازم لذلك، في حين اكتفى العباسيون بخراج معين من عمال الأمصار، وأطلقوا أيديهم في الشئون الداخلية لولاياتهم بشكل أكثر حرية، ومن ثَم بدأت نزعات الحكم الذاتي والانفصال عن بغداد تتفشى في تلك الولايات، ومع ضعف الدولة بدأ الولاة ينفصلون بالفعل ويكتفي الخليفة منهم بالخراج والسَّكة فقط.


  • أيضا تميزت دولة بني أمية بإعلاء شأن العرب على من سواهم من الأجناس، فكان منهم الخليفة وحاشيته وعمال قصره، وولاة الأمصار وقادة الجيش وعُمال الخراج ورؤساء الدواوين، وما سواهم فهم موالي، لا يستعملهم أحد إلا تحت إمرة مولى لهم من العرب وعلى مسئوليته. في حين أعلى العباسيون من شأن الفرس والأتراك منذ اللحظات الأولى من عهدهم، وصار منهم الحاشية والوزراء وولاة الامصار وكبار موظفى القصر والديوان، وصار العرب والموالي في منزلة الرعية أو عامة الشعب في مراتب أقل من ذي قبل.


  • ولا نستطيع أن نقول هنا بتميُّز نظامٌ عن نظامٍ، أو أن ذاك أفضل وذاك اسوأ، فتلك ما فرضته الظروف والتوقيت ليس أكثر. ففي الشام ورث بني أمية نظام المركزية عن دولة الخلافة الراشدة، والتي اقتبسته ممن سبقهم من البيزنطيين، وطوره الامويون بعد ذلك بشكل يلائم احتياجاتهم واستطاعتهم، وكان تفضيلهم للعنصر العربي ضرورة لعدم ثقتهم في الأجناس الأخرى، والتي لم يكن أغلبها قد عرف الاسلام بعد. الأمر الذي اختلف في العصر العباسي، وصار أغلب الموالي من المسلمين، اضافة إلى ما كان لهم من اليد العليا في نصرة العباسيين والتمكين لدولتهم. فلما استقر الامر لهم، اختاروا لاسيادهم من خلفاء العباسيين نظام الحكم الفارسي الساساني، إذ كانت مكانة كسرى وعلو شأنه يمنعانه من التدخل في شئون ولاياته، ويترك هذا لعُماله وكبار موظفيه ويتكفي منهم بالخضوع والجزية. 



  • ولا نقول أيضا أن ذلك قد أثر في ضعف أي دولة منهما، وتقلُّص رقعتها مع الأيام، فتلك ولا شك ضرورة قد فرضتها التغيرات الفعلية في موازين القوى مع الزمن. فالبعض ينسب الضعف الذي دب في بلاد الأندلس خلال القرن العاشر الميلادي لخروجها من حوزة دولة الأمويين القوية، متناسيا تكالب عديد من القوى الأوروبية واتحادها ضدها، أمام تفرق ملوك الطوائف ومعاداة بعضهم البعض بل وموالاة بعضهم للاسبان ضد اعدائهم من باقي الطوائف او الدويلات الاسلامية الاخرى. أيضا لو امتد العمر ببني أمية لعصر المغول، وارتفاع شأنهم وتوسعهم جهة الغرب، لما تغير الوضع كثيرا! ولاصطدموا أيضا بجيوش الصليبيين في الشام، ولعل نظامهم المركزي قد يناله شيء من التغيير أمام أطماع الولاة وضعف الخلفاء في عصور لاحقة، الأمر الذي يفرضه الزمان على الدول والامبراطوريات الكبيرة التي تحكم عديد من الأجناس والشعوب والأمم. 

الأقسام :

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)