تميز العصر الاموي بقدر كبير من التسامح الديني مع غير المسلمين، فقد ضم بلاط الخليفة كتير منهم في وظائف عده، منهم مستشارين للخليفه نفسه واصدقاء مقربين، ومن هؤلاء كان الأسقف يوحنا الدمشقي.
من مواليد دمشق عام 676م في زمن خلافه عبد الملك بن مروان من بني أمية وكان اسمه منصور بن سرجون. أبوه كان من عائلة مسيحية كبيرة تنتسب لعرب بني تغلب، وقيل أنهم كانوا من السريان الملكيين، وكان يعمل وزيرا في بلاط الخليفة، وجابيا للضرائب. وجده ايضا كان جابيا للضرائب لصالح والي دمشق البيزنطي قبيل الفتح الإسلامي.
وقد شغل يوحنا ذات المنصب لفترة، قبل أن يعتزل العمل المدني ويبدأ حياته مع الرهبنة والكتابة في زمن الخليفة هشام بن عبد الملك، والذي كانت تربطه به صداقة كبيرة، وأيضا أخوه الوليد بن عبد الملك من قبله. تلقى يوحنا تعليمه منذ طفولته على يدي راهب سباه الامويون من جزيرة رودس، اشتراه منصور بن سرجون وجعله معلما لولده، فلقنه اليونانية والفلسفة، وكذلك اللاهوت والعقيدة. وقد اشتهر يوحنا بدفاعه عن العقيدة المسيحية بالحُجة والمنطق، فقد شاع في بلاط الخليفة آنذاك عقد مناظرات عديدة بحضوره، بين بعض علماء المسلمين ومنصور بن سرجون وزير الخليفة الوليد وصديقه ومسئوله المالي، حول مواضيع كثيرة، منها الإنجيل ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وكان يوحنا يُجيد العربية واليونانية والآرامية (أو السريانية وقتها)، وكان حواره مبنيا على المنطق والإقناع. في إحدى مناظراته حول كون المسيح عليه السلام كلمة الله، قال يوحنا: أنتم معشر المسلمين تقولون أن القرآن هو كلام الله، ولا تؤمنون أنه مخلوق، مع أنكم تؤمنون بأن المسيح كلمه الله وروحه التي ألقاها الى مريم، وفي نفس الوقت هو بشر مخلوق، كيف؟ فهذه بتلك! فلو كان المسيح حسب اعتقادكم مخلوقا، فالقرآن أيضا يكون مخلوقا! وقد التقط المعتزلة في وقت لاحق تلك الفكرة الشاذة، وكانت سببا في محنة كبيرة، أصابت عديد من علماء المسلمين خلال العصر العباسي.
اعتزل بن سرجون الحياة العامة في عمر الثلاثين، وذهب لدير سان سابا قرب مدينة القدس، وهناك تغير اسمه ليوحنا من دمشق Ιωάννης Δαμασκήνος ، وعكف على الدراسة والكتابة، فكان غزير الانتاج قوي الحُجة. اشتهرت مؤلفاته بالدفاع عن العقيدة المسيحية، ورده على كثير من الأمور من المسلمين والمسيحيين أيضا. صنَّف عدة مؤلفات للرد على النساطرة والمونوثيلية أنصار العقيدة التي أعلنها الإمبراطور هرقل عقيدة لكنيسة القسطنطينية، وأراد جمع المسيحيين عليها قُبيل انتشار الإسلام، كما أفرد مساحة واسعه من كتبه للرد على هراطقة الاسماعيليين (يقصد المسلمين) حيث اعتبر الدمشقي أن الإسلام نوعًا من المسيحية المُهرطقة، وأعد قائمة تضم مائة نِحلة أو هرطقة طبقا لرأيه، ظهرت بين القرن الأول والسابع الميلادي، وقد نال الإسلام فيها ترتيب المائة. كذلك صنف الدمشقي أطروحة حول الآثار المسيحية الكتابية في القرآن، كان قد أثارها خلال مناظراته مع المسلمين في بلاط بني أمية. عملية الأخذ والرد بين مؤيدي نظرة الدمشقي ومعارضيه لا تزال إلى اليوم من خلال مؤلفات النقد والنقد المعاكس، فيكون يوحنا بلا منازع من أكبر وأشهر من كتبوا في اللاهوت الدفاعي. ونظرا لِقوّة حِجَّته شبهه بعض الآباء بـ"يوحنا ذهبي الفم" بطريرك القسطنطينية المعروف، ونعته البعض بأنه العالم اللاهوتي، والخطيب الديني، والمدافع الكنسي، والمجادل العقائدي، ومنظم الفن البيزنطي.
مات حوالي عام 749 في زمن سقوط دولة بني أميه واستتباب الامر للعباسيين في، ودفن في دير سان سابا، وبجلته جميع كنائس المشرق، كنيسة القدس والرها وانطاكيا والاسكندرية، بالاضافة لكنيسة روما التي اعتبرته في مصاف الآباء القديسين.
