بدأت تلك الأحداث المؤسفة في شهر رجب 700هـ الموافق1301م، على رواية المقريزي وأبي المحاسن، عندما توقف وزير ملك المغرب بالقاهرة، وهو في طريقه إلى مكة للحج. وقد هال الوزير المغربي رؤية أهل الذمة من الأقباط واليهود، ومنهم من يعيش في ترفٍ ويزينون خيولهم بالحلي الفاخرة في القاهرة، فاشتكى ذلك للأميرين سلار وبيبرس الجاشنكير، وروى لهما ما يعانيه المسلمون في الأندلس على يد النصارى من اضطهادٍ وتعصبٍ! فضلاً عما تناله على أيديهم ممالك شمال إفريقيا من ضغطٍ.
وأثر كلامه على نفوس الأمراء بشدة. فاجتمع القضاة وكبار أمراء المماليك ببطريرك الأقباط في مصر، وأكابر القساوسة ورؤساء اليهود، وابلغوهم بقراراتهم الجديدة؛ ألا يُستخدم أحدٌ منهم بديوان السلطان ولا بدواوين الأمراء، وألا يركب الأقباط واليهود والسامريون الخيول ويكتفون بركوب البغال والحمير، وأن يلتزموا بعدم ارتداء العمائم البيضاء في مصر والشام، ويرتدون الملونة أو حاسري الرؤوس! وتطور الأمر حين امتدت أيدي المتعصبين من العامة إلى كنائس الأقباط بالتخريب والنهب، فأغلقت الكنائس للأمن نحو عامٍ كامل في مصر إلى أن توسط ملك نيقيا والامبراطور البيزنطي وملك الحبشة، وبعض الملوك فأعيد فتح الكنائس في القاهرة من جديد.
وقد لعبت الحروب الصليبية في المشرق والأندلس أيضا دوراً أساسياً في إشعال نار الفتنة بين المسلمين والمسيحيين المحليين في مصر والشام، حيث كانت ما تزال قائمة. ويعد هذا عدم كياسة من قيادات المماليك، وجهلا بالطبع من المتعصبين من العوام. لأن المسيحيين المحليين قد أصابهم العسف على يد الصليبيين كما أصاب المسلمين سواءا بسواء، كما إنهم ليسو على نفس مذهبهم الديني، ولا علاقة لهم بجرائمهم لا من قريب ولا من بعيد، فمسيحو الشام الأرثوذكس كانوا أول المطرودين من القدس بعد أن احتلها الصليبيون الكاثوليك في 1099م، ولم يدخلوها ثانية إلا بعد تحريرها على يد صلاح الدين في 1187م.
