شخصية مُختلفٌ عليها أحدثت جدلا وشقاق.. إنه عبد الله بن سبأ
كتبطارق الشافعي
أغسطس 07, 2023
0
حكي أغلب المؤرخين عن فتنة مقتل ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، إن بداية القلاقل والسخط كانت بسبب شخص يدعى عبد الله بن سَبَأ. قال عنه الامام بن كثير في (البداية والنهاية) أنه كان من يهود صنعاء ويكنيه ابن الأثير الجزري بابن السوداء، كون أمه من الحبشة، كما يقول. ويروى إنه أظهر الإسلام ووضع نفسه موضع العلماء المطلعين على علم الكتاب، وكان له حديثٌ فأحدث تأثيراً في الأعراب وأهل الأمصار حديثو عهدٍ بالإسلام. وجعل يطعن في الخليفة عثمان في المجالس، ويقول عنه أنه اختص أقاربه بالولاية، وأنه حرق المصاحف (يقصد الجمع الثاني للقرآن). وبعد أن صار لإبن سبأ هذا أتباع ووصل الأمر إلى الخليفة، فجمع عثمان رضي الله عنه أمراء الأمصار في موسم الحج سنة 34هـ (664م) وقد رأى بناءا على مشورتهم، أن يلين لهم ويؤلف قلوبهم. وبذلك فالبعض يعزو لابن سبأ هذا مسألة إثارة الفتنة الكبرى في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، وآخرون يقولون إنه هو من رفع عليا بن أبي طالب، كرم الله وجهه، إلى مرتبة “إله”، والبعض يؤكد ويُصرّ على إنها قصة مختلقة موضوعة ولكنها متقنة الحبك! فما هي حقيقة بن سبأ هذا؟
ولعل الباحث في سيرة بن سبأ يلمس دون صعوبة ذلك الغموض الذي يكتنف شخصيته. حتى إنك لن تعرف نسبه ولا أهله ولا أي معلومة عن نشأته، سوى أنه يهودي، بدأ ظهوره على مسرح الاحداث في زمن عثمان رضي الله عنه بغرض زعزعة استقرار الدولة آنذاك، ويقول البعض انه كان بإيعاز من الروم او الفرس، ويقول الاخر بل هو من تخطيطه هو. وهذا يُعتبر محل خلاف كبير. حتى نسبته إلى سبأ من أرض اليمن، فهل كان من هناك حقا، أم أن سبأ كان اسم شخص او عائلة؟ يقول الطبري انه كان يهوديا من صنعاء، والبعض ينسبه إلى حِمير، والبعض إلى همدان، وهناك من يقول إنه من الحيرة، وآخرون يقولون إنه رومي. لا احد على سبيل الدقة يرجح هذا او ذاك! ويقول بعض المحللين ان ابن سبأ كان يُخفي أصله “عمدا”، فتقول احدى الروايات إن والي البصرة سأل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، عمن يكون ذاك الرجل، فأجابه ذو النورين بأنه رجل من أهل الكتاب يرغب في الإسلام ويطمع في جواره، وانه قد اجاره. أما عن دينه، فقد اجمع الكل على انه كان يهوديا. ويتعجب بعض المستشرقين من انتسابه إلى قبيلة عربية، ويؤكدون ان ذلك يدحض مقوله أنه كان يهوديا. ولكن يرد عليهم اخرون بمقوله ان الغالب في يهود اليمن أنهم كانوا ذوي أصل عربي وليسو من بني اسرائيل. اي ان دينه ايضا يعتبر محل شك!
أسلم ابن سبأ، كما تقول الروايات، في عهد عثمان بن عفان، واخذ ينتقل في البلاد المسلمة من قطر لآخر، فذهب للحجاز ثم البصرة فالكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على شيء فيها، حتى أتى مصر واستقر بالفسطاط وقيل إنه افتتن بعض أهلها. ويشترك في تلك الرواية الطبري وابن كثير، طبعا لأن الاخير قد نقل عن الاول، ويشترك معهما أيضا الحافظ ابن عساكر. وإذا كان هناك اختلاف واضح في أصل ابن سبأ وفصله، فإنها كلها تجمع على أنه شخصية نجح في فتنه بعض المسلمين عن دينهم، فاجتمع إليها مجموعة من الناس، عرفوهم بالطائفة السبائية، والتي كانت نواة التشيع في التاريخ الإسلامي. وقد انتقل ذلك التضارب في أمر وجوده، إلى كثير مؤرخي الزمن الحالي، فانكر وجوده كلا من عميد الادب العربي طه حسين، وكذلك كُتّاب التاريخ الإسلامي الحديث كالاستاذ محمد كرد علي، وغيرهم. وبغض النظر عن أراء الشيعة وحججهم في إثبات وهمية تلك الشخصية المُريبة، لنطالع معا ما كتبه عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين عن بن سبأ، بعد ان قتل تلك الشخصية بحثا، وقرأ اغلب ما كُتب عنها وهلهله! إذ قال:
إن اغلب المؤرخين الثقات والذين عاشوا في فترات زمنية اقرب للاحداث لم يشيروا إلى قصة عبد الله بن سبأ ولم يذكروا عنها شيئا.
وعليه فيكون المصدر الوحيد عنه، والذي نقل عنه الطبري، هو سيف بن عمر وهو معلوم الكذب عند اغلب علماء الرجال، ومقطوع بأنه وضَّاع! أيضا فإن الأمور التي رويت عن عبد الله بن سبأ تستلزم أن يكون المسلمون الذين خدعهم هم قوم في منتهى البلاهة والسخف، وهذا ما نرفضه جميعا. ايضا بعض الشواهد المرفوضة مثل سكوت عثمان رضي الله عنه وعماله عن افعاله، في حين اتخذ موفقا مع غيره من المعارضين كمحمد بن أبي حذيفة، ومحمد بن أبي بكر، وعمَّار بن ياسر وغيرهم. كذلك عدم وجود أثر لابن سبأ هذا وجماعته في واقعة صفين وفي حرب النهروان، مما جعل د. طه حسين ينتهي إلى القول :
"أن ابن سبأ هذا شخصا اخترعه خصوم الشيعة ولا وجود له في الواقع! "
وذهب مذهبه عديد من الباحثين، كالمؤرخ السوري المعروف د. سهيل ذكار وغيرهم.
شاهدوا حلقتنا عن الفتنة الكُبرى على قناة وقال الراوي لنعرف بالتفصيل ما حدث من كل فريق وكيف كان لهذا الحدث اثره في التاريخ الاسلامي بوجه عام.