بعد أكثر من قرن على رحيله، لا يزال الكاتب والأديب اللبناني جرجي زيدان (ت 1914م)، مادة ثرية للجدل والنقاش من خلال إرثه الفكري وكتبه ومؤلفاته. والتي انهال على قراءتها أغلب المثقفين العرب في سعيهم نحو الحداثة. بدأ زيدان رحلته الفكرية والإبداعية في ثمانينيات القرن التاسع عشر، كتب العشرات من الكتب ما بين التاريخ والجغرافية واللغة العربية والاجتماع والأدب الروائي، بجانب عمله في مؤسسه دار الهلال والتي كان يملكها.
كتب زيدان عن التمدُّن الإسلامي، والعرب قبل الإسلام، وأنساب العرب القدماء، كما كتب عن جُغرافية مصر وتاريخ اللغة العربية، وكانت الرواية التاريخية من أهم الميادين الفكرية التي تَميَّز فيها زيدان، ونال من خلالها شهرة ومكانة أدبية كبيرة في زمانه، حيث قدم سلسلة روايات تاريخ الإسلام (22 رواية) منذ بدء الرسالة وانتشار الإسلام في العهد النبوي، وحتى مراحل ضعف وتردي السلطنة العثمانية، وعزل السُلطان عبد الحميد الثاني في بدايات القرن العشرين. حاول زيدان في رواياته أن يرسم خطوطاً درامية تتقاطع أحداثها مع الوقائع التاريخية الواردة في المصادر التاريخية الإسلامية القديمة، كما عمل على اختيار لحظات تاريخية حساسة لمناقشة الأفكار والرؤى التي أراد طرحها. كتب عن الحرب الأهلية ما بين المسلمين في عهد الخليفة الراشد علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، وعن مقتل الإمام الحسين بن علي وأهل بيته، وعن الحجاج بن يوسف وضربه للكعبة بالمنجنيق وقتله لعبد الله بن الزبير. كتب زيدان كل هذا في مدة تَقل عن العشرين عاماً، ورحل عن دنيانا هو لم يتجاوز الخمسين.
وقد نظر بعض معاصري زيدان لكتاباته، نظرة تملؤها الظنون وتحيط بها الشكوك، فهاجموه ووجهوا له سهام النقد والاعتراض. وقاموا بتصنيف بعض الكتب للرد عليه، وحددوا مأخذهم على كتاباته في اربعة نقاط رئيسيه: (تحقير الأمة العربية، والتحامل على بني أُميَّة، والاستشهاد بمصادر غير موثقة، واعتماده الكبير على الإسرائيليات). كما ربط البعض علاقته بالمستشرقين الأوروبيين انها سببا في طعنه في التاريخ الإسلامي، وايضا ما قيل عن انضمامه للحركة الماسونية العالمية وقتها. بل وحللوا كتبه من الناحية التاريخية، رغم أنها أعمالا أدبية بحته تحمل خطوطا درامية واضحة وبعيدة عن التاريخ كل البعد. كما انتقده ايضا بعض الأدباء وقالوا إن رواياته كلها مكتوبة بأسلوب صحفي، خالي من البلاغة والعمق، وما هي إلا تأريخ في قالب قصة لم تكمل شروطها الفنية، وتاريخ لم يُحافظ فيه كاتبه على الحقائق!!
في الوقت الذي اشاد فيه بعض المفكرين المعاصرين بزيدان وأدبه، فالكثير من مؤيديه دفعوا عنه تهمة اتباع نهج المستشرقين. فعلى سبيل المثال، قال عنه المنفلوطي:
(وكان شريف النفس، بعيد الهمة، متجملاً بصفات المؤرخ الحقيقي الذي لا يتشيع ولا يتحيز، ولا يداهن ولا يجامل، ولا يترك لعقيدته الدينية مجالاً للعبث بجوهر التاريخ وحقائقه، فكتب وهو المسيحي الأرثوذكسي تاريخ الإسلام في كتبه ورواياته كتابة العالم المحقق الذي لا يكتم الحسنة إذا رآها، ولا يشمت بالسيئة إذا عثر بها.. - النظرات).
أما مصطفى صادق الرافعي فوصف زيدان في كتابه (من وحي القلم) بـالمؤرخ الكبير وبالعلامة في أحيان أخرى. وايضا كتب عنه سلامه موسى، وبرَّر الحملة المثارة ضده، بسبب أنه عالج موضوعات لم يعالجها أحد من قبل! وأما فيما يخص رواياته التاريخية وما وُجِّه لها من انتقادات، فتعجب لذلك عميد الأدب العربي طه حسين، وأشاد بها كثيراً، ووصف زيدان بقوله:
(هو الذي نقل إلى الأدب العربي مذهباً جديداً وهو القصص التاريخية).
وقد حاول استاذ التاريخ د. عاصم الدسوقي، أن يبرر الهجوم الذي طال زيدان، بكونه مؤلفاً موسوعياً، وأنه كان من الطبيعي أن تتقاطع أعمال الروائية مع أعماله التاريخية، فقد كانت (الإشكالية تكمن في رواياته التاريخية، حيث بدأ يتقمص دور الأديب، وكتب قصة تاريخية فيها إسقاطات سياسية وواقعية ولكن بلغة رمزية).

