لماذا لم يحكم المصريون بلادهم وتركوا الحكم للأجانب؟.. سؤال يجيب عنه الكثير

طارق الشافعي
كتب
0

في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، وعقب جلاء الفرنسيين عن مصر عام 1801م، تصارعت ثلاث قوى لملء الفراغ السياسي الحادث، وتحول الى منافسه بينهم: من سيحكم مصر؟ ولكن الاجابة كانت عند أهلها، المصريين الذين تولد شعورهم القومي، بعد أن تركهم حكامهم القدامى من الأتراك والمماليك يواجهون عدوهم المحتل بمفردهم. وأدرك الجندي العثماني "القوَللي" ذلك للوهلة الأولى، فكان رهانه على استمالة الزعامة الشعبية المصرية، والتي رأها مفتاحاً لوجوده على ساحة المنافسة.. ولكن يسأل الكثير: طالما هناك شعور قومي قد تولد، وهناك زعامة شعبية  قوية فرضت إرادتها على الجميع، فلِمَ لا يكون الحاكم مصريا؟ لماذا لم يتكاتف الشعب وزعمائه خلف احدهم ليرفعوه على سدّه الحكم، وليكن السيد عمر مكرم مثلاً، بدلا من أجنبيا يختاره من بين الاجانب الذين قد انتفض رفضاً حكمهم..؟


ويجيب على هذا التساؤل عديد من المؤرخين والباحثين، فمثلا يقول الاستاذ عبد الرحمن الرافعي إن المصريين إنعزلوا لفترة كبيرة عن العالم الخارجي تحت حكم المماليك والعثمانيين، وان حكامهم ساعدوا على زيادة هذه الأنعزالية بقِصَر التعليم على العلم الشرعي فقط، وإغلاق أغلب المدارس أيام العثمانيين في حين كانت أوروبا تمُر بنهضة حضارية كبيرة. وايضا كان إبعاد المصريين عن الجُندية والترقي في المناصب العسكرية وقِصرها على المرتزقة والمماليك، هذا أيضا ساهم في زيادة إبعاد المصريين عن الأمور السياسية.


ويتفق معه الأستاذ حسين مؤنس، وإن كان يرى أنه لا يجب وصف ذلك بأنه وعي أو شعور قومي، لأن مفهوم الحرية والأستقلالية بصورتها الحالية كانت بعيدة عن المصريين في أواخر القرن 18 وأوائل 19 ولم يكن الأمر يتعدى المطالبة برفع المظالم لدى الحكام الأتراك أو المماليك أو حتى الفرنسيين! فمن الإنصاف أن نعى جيدا إختلاف المفاهيم في القرون الوسطى عن مثيلتها في القرن الواحد العشرين!..

 


ويتفق معه الأستاذ صلاح عيسى ويشرح ذلك، فيقول إن المصريين وغيرهم من شعوب المنطقة العربية كانوا لا يشعرون بالأمان إلا تحت لواء حاكم، سواء كان خليفه في بغداد أو سلطان في القاهرة أو حتى في الآستانة، المهم هو السيطرة على الفوضى وشريعة الغاب التي كانت تسود في عدم وجود الدولة، متمثلة في أعمال السلب والنهب وإزهاق الأرواح بلا حساب أو رادع. مما يساهم في تسيير حركة التجارة والزراعة والقضاء على الكساد وهكذا.. وقد عملت الحكومات المتعاقبة من طولونيين وإخشيد وفاطميين ومماليك وأيوبيين وعثمانيين على تنمية ذلك الشعور لدى المصريين، حتى صار جزءا لا يتجزأ من عقيدتهم! فأضعفت ثقتهم بأنفُسهم وغمّت عينهم عن أبسط حقوقهم.. حق العيش الكريم!.. فصار المصري يبرر أمام نفسه أن الحكم مشقة ومسئولية يُسأل عنها الحاكم أمام الله عز وجل يوم القيامة لو قصّر فيها، فيجب على المرء أن يبعد عنها قدر المستطاع، ويتركها لطلاب السلطة ولو كانوا أجانب، حتى دون أن يكون له دور في اختيارهم!.. ويكون جُل مراده بعد ذلك هو المساعدة والنصح، بهذه السياسة تم إختيار محمد علي باشا واليا على مصر مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، والذي كان في رأي كتير من المؤرخين تطور للحركة الوطنية ومفهوم الحكم في نفوس الشعب باختيار الحاكم وفرض شروطهم عليه بعد أن كان يُفرَض عليهم فرضاً من الأستانة!.. ولكن مع الأسف كان مصيرهم المعروف الذي تحدثنا عنه سابقا.. 


ولكن الكاتب والمفكر لويس عوض كان له رأيا آخر، حيث اتفق مع الجميع في بداية تولد الشعور القومي مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، ولكنه اختلف في الرؤية، إذ اعتبر أن سفر المعلم (الجنرال) يعقوب حنا مع الفرنسيين كان خطوة في سبيل استقلال المصريين وحُكم بلادهم (!) وأن يعقوب، والذي كون كتيبة مسلحة من شباب الأقباط وألحقها بخدمة الجيش الفرنسي، يقول عوض أن ذلك كان الخطوة الأولى في سبيل الإستقلال في القرار عن المماليك والعثمانيين، وإن كان يعقوب يعلم إنه من الصعب عليه أن يحكم مصر كونه مسيحي، ولذلك لعب على تدويل القضية، واستقلال مصر عن حكومة الآستانة، وبعدها يصير الأمر بيد المصريين يولون من يشاؤوا! ويدافع عوض عن يعقوب بأنه ليس أول من استعان بالأجانب لتحقيق هدف قومي، فقبله مراد بك تحالف مع الفرنسيين، وبعده محمد بك الألفي تحالف مع الإنجليز وكلاهما كان بغرض الخلاص من الحكم العثماني! 

 


في رأيك مَن مِن هؤلاء المفكرين اصاب الحقيقة، او اقترب منها؟.. الموضوع مطروح للنقاش.. 

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)