المُبشر الصوفي الذي بدأ حركة الاستشراق في أوروبا.. إنه رامون لول القطالوني

طارق الشافعي
كتب
0
برغم الصدام العسكري الرهيب بين الشرق والغرب خلال القرون الوسطى، الحروب الصليبية على أشُدها في بلاد الشام، ومعارك القشتاليين لأسترداد الأندلس، رفض الاوربيون الانفتاح على الثقافات العربية بدعوى انها كُفر وإلحاد، ورفضوا دراسة اللغات الشرقية عموما، العربية والعبرية والسريانية، برغم انها كانت مفيدة جدا لدراسة علوم الشرق وفنونه. في هذه الإجواء ولد في مايوركا من اعمال جزر البليار شرق الاندلس (او الجزائر الشرقية) عام 1229م، فيلسوف ورجل دين مسيحي اسمه رامون لول Ramon Llull، نزحت اسرته الارستقراطية ميسورة الحال لتسكن الجزائر الشرقية ضمن خطة ملك أراجون لإستعمارها من القشتاليين وطرد المسلمين منها أو استعبادهم لخدمتهم. 

درس رامون الفلسفة والرياضيات والفيزياء والطب وعلم النفس والأدب واللغة اللاتينية إلى جانب اللاهوت المسيحي، وانضم لحركة الرهبان الفرينسيسكان، ولكنه اختلف مع كثير من افكارهم، نظرا لأنه كان منفتحا على الثقافة العربية والاسلامية بشكل عام، تعلم العربية عن طريق عبد مسلم كان ضمن خدم عائلتهم، وعرف منه شيئا عن القرآن الكريم والفقة وعلم الحديث، عرف منه كثيرا عن افكار المسلمين المعادية للديانة المسيحية، وبدأ يصوغ الردود عليها، ولما استطاع عن طريقها اقناع بعض المسلمين من اهل مايوركا بتحويل ديانتهم للمسيحية، بدأ يعتقد ان المواجهة لا تكن بالسيف ولكن بالانجيل! وبدأ يطلب من الرهبان الفرنسيسكان اصدقائه ان يتعلموا العربية لمواجهة المسلمين وتنصيرهم.
 

اطلع رامون ايضا على مؤلفات القاضي ابا الوليد بن رشد لا سيما شروحه لفلسفة أرسطو، والتي عارضه فيها ونشر مؤلفات بالقطلونية (لغة بلاده) للرد عليه وتفنيد ارائه، حظرتها محكمة التفتيش الاسبانية تماما مثلما حظرت كتب بن رشد، وحكمت حرق الكتب وعلى صاحبها بالسجن! ولكنه أفلت منه كونه من عائلة ارستقراطية، ولجأ لملك أراجون عام 1276م لدعمه لأنشاء أول مدرسة تبشيرية لتخريج رهبان مبشرين ينتشرون بين اهل البلاد الاسلامية، وسلحهم بالعديد من المؤلفات للرد على اعتراضات المسلمين، لتساعدهم في نشر افكارهم وتنصيرهم عن طريق مواجهات ثقافية وفكرية (مناظرات) وبدأ بنفسه، سافر الى تونس عام 1292م للتبشير مرتديا لباسا وضيعا ليجذب حوله المسلمين من المتصوفه، بدأ ينشر افكاره ويناقش كثيرا من شيوخهم، ولكن انتهى به الأمر الى اعتقاله وسجنه، ثم استبعاده من البلاد. ولكنه عاد من جديد الى بجاية في شمال الجزائر عام 1309م يقوم بنفس الدور حتى اعتُقل وسُجن لعام ونصف وكاد يُقتل في سجنه، ثم طرد من الجزائر لايطاليا. وفي رحلته التبشيرية الأخيرة، عاد رامون الى بجاية يعظ فيها من جديد بسوق المدينة وبعد أن سمعه الحاضرون غير مرّة أمسكوه، جرّوه إلى خارج أسوار المدينة ورجموه بالحجارة حتى مات عام 1316م. وهناك بعض الروايات التي تقول ان انصاره نجحوا في تهريبه مريضا الى مايوركا ليلقى حتفه هناك ويدفن. 
 


آمن رامون لول في بداية حياته بعدد من الأراء الصوفية والفلسفية التي تعتبر غريبة على المسيحية، مثلا اعتقد بأن لا فرق بين اللاهوت والفلسفة، وبين العقل والإيمان. ومن أجل فهم أسمى الحقائق عن الله لا بدّ للعقل من وجود مساعدة إلهية. أمن ايضا أن العشق الإلهي يجب ألّا يتأتّى عن خوف من نار جهنم أو رغبا في نعيم الجنّة، بل يأتي من كمال الخالق والذوبان في عشقه. ويذكر أنّ هذه الافكار تُنسب الى رابعة العدوية قبل رامون لول بأربعة قرون تقريبا، فلعله اطلع على افكارها واعاد صياغتها باسلوبه (!) ايضا أمن لول عن يقين ان الإنجيل لا السيف، هو وسيلة المواجهة الوحيدة للمسلمين، وقال ما معناه "إنّي أومن، أيّها المسيح، أنّ استعادة الأراضي المقدّسة يجب أن يتمّ كما فعلت أنت وتلاميذك بالمحبّة والصلاة والدموع والتضحية بحياتنا في سبيل ذلك". وبرغم ان الكنيسة قد حظرت مؤلفاته في البداية واعتبرتها غير مفهومة وغير مقبولة وأوصت بحرقها، الا ان انصاره احتفظوا بجزء كبير منها، الى ان عادت الكنيسة وانتهجت نهجه في الانفتاح على الثقافة العربية والإسلامية، حيث أمر بابا الكاثوليك في روما، جريجوري الحادي عشر عام 1311م بإضافة كرسي لتدريس اللغة العربية في اربعة او خمسة من اكبر جامعات اوروبا، مما أدى الى زيادة الإقبال على الدراسات العربية وبداية علم الاستشراق. كذلك تعلم مزيد من الرهبان اللغة العربية وانتشروا في تونس والجزائر وبعض بلاد الشام يُنَصِّرون سكانها من المسلمين، عن طريق اقامة الارساليات والمستشفيات والمراكز التعليمية، وهي الافكار التبشيرية المعروفة في العصر الحديث، والتي تحول بعدها رامون لول القطلاني في نظرهم من زنديق إلى قديسٍ شهيد، بل اعتبروه اعظم مبشر ذهب الى بلاد المسلمين.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)