حينما يتسلط الغازي أو المستعمر على أهل البلاد الضعفاء بالقوة، فيكون سلاحهم الوحيد هو السخرية منه في عالمهم الموازي، أو الخاص، حيث ينتصرون عليه ويفعلون به مالا يستطيعونه في الواقع!..
فعندما اجتاح الطاغية تيمورلنك بلاد الشام حوالي عام 1400م، وغزا بعدها بلاد الأناضول وهزم العثمانيين في أنقرة. وأمام ضعف سلطان المماليك فرج بن برقوق وتخليه عن نُصرة أهل الشام والعثمانيين، تُخبرنا بعض كتب الأدب عن جُحَا، تلك الشخصية الفكاهية المحبوبة، أنه التقى بتيمور لنك زعيم التتار في دمشق، حينما جَمَع علماء البلدة وفضلائها، وراح يسألهم: أعادل أنا أم ظالم...؟ فإن أجابوه: "إنك عادل" ذبحهم، وإن قالوا : "إنك ظالم" قتلهم! فضاق ذرعهم، وذهبوا إلى حُجا لما اشتُهر بردوده السديدة الحاضرة.
وذهب حُجا الى مجلس تيمورلنك ليسأله ذات السؤال، فأجابه جحا:
"إنك يا مولاي لست ملكًا عادلاً، ولا باغيًا ظالمًا! فالظالمون هم نحن، وما أنتم إلا سيف العدل الذي سلطه الواحد القهار على الظالمين"..!
ويقال أن تيمورلنك قد أُعجب بهذا الردّ، وضم حُجا إلى مجلسه وجعله نديماً له.
ويُروي أن تيمور لنك سأل جُحا يومًا: أتستطيع أن تخبرني كم أساوي من المال؟
فنظر إليه جُحا مترددًا ثم قال: لا أظنك يا مولاي تساوي أكثر من ألف دينار!
فضحك تيمور لنك وقال: ولكن ملابسي وحدها تساوي أكثر من هذا..!
فقال جُحا: يا مولاي قد صدق ظني، فما كنت أنظر من تقدير ثمنك إلا لتلك الملابس!..
وسأله تيمور لنك يومًا: كما تعلم يا جُحا أن خلفاء بني العباس كان لكل منهم لقب اختُص به، فمنهم الموفق بالله والمتوكل على الله والمعتصم بالله والواثق بالله، فلو كنت أنا واحدًا منهم، فماذا كان يجب أن أختار من الألقاب؟.. فأجابه جُحا على الفور: لو كنت عباسياً يا مولاي، لاشك بأنك كنت ستُدعى بلقب "أعوذ بالله".
