هل حقا وقف عرابي أمام الخديوي توفيق وحدث ذلك المشهد الشهير؟.. شهادة مؤرخي العصر

وقال الراوي
كتب
0
يُشكك عديد من الباحثين في العصر الحديث في حقيقة ماحدث يوم 9 سبتمبر عام 1881م حينما وقف أحمد عرابي أمام حاكم مصر الخديوي توفيق يطلب منه طلباته الثلاث الشهيرة، فيما يعرف تاريخيا بالحوادث العُرابية، أو الثورة العرابية أو ما يسمى شعبيا بهوجة عرابي.

الزعيم أحمد عرابي (باشا)

وخلال فترة الاحتلال الانجليزي، وبعد انهزام عرابي ورفاقه وسفرهم للمنفى في جزيرة سيلان، استخدمت سلطة الاحتلال الانجليزي عديد من الصحف المحلية، وكذلك عديد من الكتب والمذكرات التي كتبها بعض السفراء والقناصل لتطمس من الذاكرة كل ما يتعلق بالحوادث العرابية من قريب او من بعيد، فبعد فرمان السلطان عبد الحميد (خليفة المسلمين آنذاك) بعصيان عرابي ورفاقه، أصبح من حق الصحف المحلية وصفهم بالخيانة، بل وأن يحملوهم تبعات الإحتلال الانجليزي، الذي هرع الخديوي توفيق ليبقى في حمايته اثناء ضرب الاسكندرية، ويعود الى عاصمة بلاده في حماهم ايضا، يجلس على اريكة الحكم بتعليمات ومشورة المعتمد البريطاني والحاكم العسكري الانجليزي. وبعد أن عاد أحمد عرابي لوطنه بعد عشرين عاما قضاها في المنفى بعفو عام من الخديوي عباس حلمي الثاني، وجد نفسه غريبا في بلده مهانا من اهلها الذين وقف في وجه الجبابرة وخاض غمار المعارك من أجلهم ذات يوم، ولم يُرد اعتبار عرابي تاريخيا إلا بعد ثورة 1952 وانتهاء حكم أسرة محمد علي باشا، فعادت من جديد سيرة عرابي ووقفته الشهيرة أمام الخديوي وبدأ دريس ذلك الحدث في مناهج التاريخ بالمدارس الابتدائية والإعدادية، ولعل الضباط الأحرار بهذا ارادوا تمجيد ما فعلوا في صورة عرابي مع الفارق طبعا، كما بدأ المشهد يغزو السينما والمسرح والتليفزيون وتظهر عديد من الأعمال الفنية التي تصور المشهد للعيان، متخذين الحوار الذي كتبه أحمد عرابي في مذكراته حدثا أكيدا، ولعل ذلك ما رفضه عديد من المؤرخين والباحثين في العصر الحديث .

عرابي ورفاقه مع شريف باشا والخديوي عقب تشكيل وزارة سبتمبر 1881

واذا بحثنا في المراجع التاريخية عما قيل بشأن الثورة العرابية أو احداث مظاهرة عابدين 9 سبتمبر 1881م نجد المرجع الأول كما قلنا هي مذكرات عرابي نفسه والتي كتبها في سنوات المنفى، ولكن اذا رجعنا لكتب اخرى لا نجد الحوار الشهير الذي رواه عرابي بنصه، فيقول مثلا أحمد شفيق باشا (رئيس الديوان الخديوي) في مذكراته:

صفحة من مذكرات أحمد شفيق باشا ج1

ولو طالعنا أيضا ما كتبه الأمام محمد عبده في مذكراته، لما وجدنا نصا بعيدا عما كتبه شفيق باشا، وكلاهما معاصر للحدث وان كان الأمام لم يكن شاهد عيان واكتفى بما سمعه من العامة، ولكن شفيق باشا كان أكيد من الحضور ومن شهود العيان على هذا الحدث الهام.. 

صفحة من مذكرات الإمام محمد عبده

وعليه فأن الثابت تاريخيا ان عرابي لم يقل جملته الشهيرة "لقد خلقنا الله أحرارا.. الخ" وكذلك لم يقل الخديوي جملته المعروفة "ما انتم إلا عبيد احساناتنا.."، ولعل عرابي قد شطح بخياله وهو في المنفى وكتب ما كتب لتمجيد افعاله، ولكن شهادات الأخرين تُصحح الصورة وتنقل لنا التفاصيل الدقيقة الصحيحة، وهذا حال التاريخ دوما، فلا تتضح الصورة إلا بمقارنة ما كتبه الجميع حتى وان اختلفت معهم فكريا. فغير مقبول من البعض رفض الحدث ككل في ضوء هذا، كمن يقول أن عرابي لم يلتق بالخديوي أصلا! في حين ان رئيس ديوانه يثبت تلك المقابلة وبالحوار. أيضا من الجور في حق عرابي أن نُحمله تبعات الإحتلال الانجليزي، فهذا ظلم كبير، لأن تلك التبعات يتحملها الخديوي توفيق نفسه، ومحافظ الإسكندرية، والسلطان عبد الحميد الثاني والذي امتثل لأمر الانجليز واصدر فرمانا فت في عضد الثورة واحدث صدعا كبيرا في تماسك الجيش والشعب.
 

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)