ورد في سيرة الأمير أحمد بن طولون أنه ركب ذات يوم قاربه فاجتاز به النيل فوجد شيخًا صيادًا عليه ثوب خَلِق لا يواريه، ومعه صبي في مثل حاله من العُري وقد رمى الشبكة في البحر وخرجت فارغة. فرثى لهما أحمد بن طولون، وقال لنسيم الخادم: «يا نسيم! ادفع إلى هذا الصياد خمسين دينارًا».
ثم عاد ابن طولون عن الجهة التي كان قصدها واجتاز موضع الصياد (في رحلة العودة) فوجده ملقى على الأرض وقد فارق الحياة، والصبي يبكي ويصيح، فظن ابن طولون أن شخصًا قتله وأخذ الدنانير منه. فوقف بنفسه عليه وسأل الصبي هل قتله احد؟ فقال الصبي: هذا الرجل (وأشار إلى نسيم الخادم) قد وضع في يد أبي شيئا ومضى، فلم يزل أبي يقلبه من يمينه إلى شماله ومن شماله إلى يمينه حتى سقط ميتًا»!
فقال الأمير لغلمانه: «فتشوا الشيخ!»، ففتشوه فوجدوا الدنانير معه، وأراد ابن طولون أن يعطي الدنانير للصبي فأبى، وقال: «أخاف أن تقتلني كما قتلت أبي». فقال أحمد بن طولون لمن معه: «الحق معه، فالغِنَى يحتاج إلى تدريج وإلا قَتَل صاحبَه». هذه الرواية نقلا عن كتاب (سيرة الأمير أحمد بن طولون) لمحمد كرد علي، نقلا عن سيرة الأمير لابن الداية.
كما يُروى أيضا عن الأمير خُمارويه بن أحمد بن طولون، انه كان يرتحل برفقة جماعة من حاشيته وحرسه الشخصي بين بلاد الشام، فاعترضه أعرابي جاء مهرولا يرفع يديه ويقول: اسمع منى يا أمير.. فقال خمارويه: تقدَّم!.. قُل ما عِندك!.. فأنشأ الأعرابي أبياتا من الشعر يَمدح فيها الأمير ويثني عليه، فابتسم خُمارويه، وكان يظن أن بالأمر شكوى أو مظلمة! ف ألقى له كيساً من الدنانير الذهبية، فالتقطها الأعرابي وقال: زِدني يا أمير! فإن مثلك يَزيد! فأمر خمارويه حاشيته وحرسه أن يمنحوه كل المال الذي معهم، ففي لحظة واحده صار للأعرابي الفقير مالا كأكبر تاجر في دمشق!
هذه القصة رواها المسعودي في مروج الذهب، متحدثا عن بذخ الأمير على الغريب والقريب، ومهما كانت حقيقية أم بها بعض المبالغة، فأنها تعكس مدى البذخ الذي عاش فيه خُمارويه طيلة حياته..
