منذ ألفي عام تقريبا عاش الرهبان في الصحاري والبراري حياة منعزلة، بشكل بعيد تمام البعد عن كل مظاهر المدنية الحديثة، وقد اختاروا التفرد للعبادة والصلاة فقط. ولذا نرى مبانيهم أديرتهم في وادي النطرون وجبال البحر الأحمر وسيناء وبرج العرب والبراري (منطقة شمال الدلتا) لم تكن قريبة من العمران كما هي اليوم.
| دير سانت كاترين - جنوب سيناء |
وفي دير سانت كاترين بجنوب سيناء، يعيش الرهبان تقريبا منذ القرن الرابع الميلادي، منذ عهد الامبراطور جستنيان في سلام وأمان، وبعيداً عن تقلبات الأوضاع وتعاقب الدول والحكومات في مصر والشام وجزيرة العرب. إذ أن موقع الدير بعيداً عن مسارات القوافل ومطامع الفاتحين وكل ما يدفع الناس الى الذهاب الى هذا المكان، هو زيارة الموقع المقدس الذي شهد لقاء النبي موسى عليه السلام بربه.
| المسجد الفاطمي بالدير |
وفي عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (وطبقا لروايات شفهية يتناقلها الرهبان) سمع الخليفة بوجود هذا الدير في سيناء، وكان قد أصدر تعليمات بهدم عديد من الكنائس في القاهرة والإسكندرية والفسطاط والقدس. فأرسل كتيبة من الجنود لهدم ذلك الدير أيضا. فلما سمع الرهبان بهذا، عكفوا على بناء قديم بالدير وقالوا للجنود ان الدير يضم مسجدا بُني من عصور قديمة، وتقام فيه الصلوات من بعض قبائل سيناء، بل وفتحوا أبواب الدير للعرب المسلمين للصلاة في مسجد الدير حتى لا يهدمه الحاكم.
وفي عهد الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله، أرسل وزيره ومملوكه انوشتكين الآمري لمعاينه المسجد، والذي أمر بهدمه تماما، واقامته من جديد على نفس المساحه، وإقامة مئذنة له بجوار منارة الدير، ومنبر خشبي يعتبر حاليا من أقدم وأقيم المنابر التي اقيمت في مصر في العصور الإسلامية، ومحراب على الطراز الفاطمي مشابه لمحراب الجامع الأزهر القديم، ومحراب جامع الحاكم ومحراب المسجد الطولوني بالقطائع. وكتب لوحة تذكارية لا تزال باقية إلى الآن تحمل تاريخ تأسيس المسجد واسم مؤسسه وبانيه.
| رئيس الوزراء ووزير الأثار في زيارة للدير 2021م |
وقد حافظ الرهبان على هذا المسجد لقرون طويلة، ورمموه اكثر من مرة بالجهود الذاتية، حفاظا على ديرهم من قرار اي حاكم قد يأمر بهدمه! ولأنه أيضا لم يعتني به أحد فعليا من حكام مصر على مر العصور لبعده عن العاصمة وأية مدينة مصرية قريبة. إلى أن رممته الحكومة المصرية حاليا باعتباره مكانا أثريا قيما، وافتتحه رئيس الوزراء مصطفى مدبولي منذ عدة أعوام.
