من أبرز الشخصيات التي قاومت الوجود الصليبي في الشرق منذ بدايته، السلطان ركن الدين مسعود بن السلطان قلج أرسلان سلطان دولة سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، والتي تصدت خلال الحملة الصليبية الثانية في 1145م للجيش الألماني بقيادة الملك كونراد الثالث جنوب نيقيا، فأباد 90٪ من قواته في معركة ضورليم الثانية. ولم يكتفي بهذا، فعندما رصد تحرك قوات الملك فيليب السابع متخذا طريق الساحل ليهرب من هجمات السلاجقة، قام بمناوشة جيشه اكثر من مرة، فلم يكن مروره باراضي الروم مرورا آمنا حتى وصل لانطاكيا منهك القوى.
وبعد انتهائه من التصدِّي لِلصليبيين، توجَّه السُلطان مسعود شرقًا لِيُساهم مع باقي الحُكَّام المُسلمين في تقطيع أوصال أراضي الصليبيين في كونتيَّة (إمارة) الرُّها لِيُؤمِّن لهُ موطئ قدمٍ في المنطقة، وكان ابنه قلج أرسلان (الثاني) قد استغلَّ الكارثة التي حلَّت بِالصليبيين، فهاجم الأراضي التي مازالت بِحوزتهم. وفي سنة 1148م وصل السُلطان مسعودٌ إلى الرُّها وتسلَّم قيادة الجيش السُلجُوقي. وبعد دراسة الوضعين السياسي والعسكري قرَّر القيام بِهُجُومٍ على مرعش، فتصدَّى لهُ ريموند پواتييه أمير أنطاكية؛ فما كان من السُلطان السُلجُوقي إلَّا أن طلب من أمير حلب نور الدين محمود الزنكي مُهاجمة مُمتلكات ريموند حتَّى يُخفِّف الضغط عن قُوَّاته. استجاب أمير حلب لِهذا الطلب، واجتاح القُرى التابعة لِأنطاكية، مما مهد بعد ذلك لاسترجاع الإمارة كلها من حوزة الصليبيين، وبلا رجعة!
ايضا لا ينسىى التاريخ المجاهد الكبير معين الدين أُنر (أونر) صاحب دمشق، من الشخصيات التي لعبت دورا سياسيا في العلاقات بين المسلمين والصليبيين خلال النصف الأول من القرن الثاني عشر. بدأ حياته مملوكا في جيش طغتكين، وكان مدافعا عن دمشق حينما حاصرها عماد الدين زنكي عام 1135م. وقد ترقى الى ان صار حاكما لبعلبك ومدافعا عنها امام الصليبيين الى ان عاد مرة اخرى حاكما على دمشق في 1140م. بعدها حاول الابقاء على علاقات طيبة مع جيرانه من المسلمين أو مملكة القدس الصليبية. الى ان اطاح الصليبيين بتلك العلاقات الطيبة وحاصروا دمشق عام 1147م فقرر تسليم المدينة وملحقاتها للسلطان نور الدين محمود، ليكمل ذلك الأخير مسيرته العظيمة في مواجهة الوجود الصليبي في الشرق.
