هو أبو القاسم علي بن الحسن بن عساكر الدمشقي، الإمام والعلامة الحافظ الكبير محدث الشام. ولد في دمشق عام 1105م، ونشأ في بيت علم وتقوى، كان أبوه تقيًّا ورعًا، محبًا للعلم ومجالسة العلماء ومصاحبتهم، وكانت أمه أيضا من بيت علم وفضل، وتولت اسرته تعليمه وتهذيبه، فسمع الحديث من أبيه وأخيه وهو في السادسة، ثم تتلمذ على كثير من شيوخ دمشق وعلمائها، تخصص في الحديث وعلم الرجال والتاريخ. وشغل ابن عساكر نفسه بالعلم وجعله هدفًا لا يصرفه عنه شيء، ولم يجعله وسيلة لتولي منصب أو طمعًا في مال أو جاه، أعطاه نفسه ولم يبخل عليه بجهد، فكافأه الله سعة في التأليف، وصيتًا لا يزال صداه يتردد إلى الآن، ومكانة في العلم تبوأها في المقدمة بين رجالات العلم في تاريخ الإسلام.
| الحافظ بن عساكر الدمشقي (شكل تخيلي) |
وضع ابن عساكر مؤلفات كثيرة، أهمها كتابه الكبير «تاريخ دمشق»، الذي صار نموذجًا للتأليف في تاريخ المدن، يحتذيه المؤلفون في المنهج والتنظيم. استغرق التفكير والتأليف فيه وقتًا طويلًا، عكف عليه تقريبا حياته كلها، ولم يفرغ منه إلا بعد أن وهن جسده وكلّ بصره. فكان عملا ضخما وصل صيته الى نور الدين محمود سلطان دمشق، فأرسل إليه هدية ضخمة، ولكنه كان ضعف بدنه وكلَّ بصره، فأكمل ابنه القاسم تنقيحه وترتيبه في صورته النهائية، في حياة ابيه، وقرأه عليه مرة أخيرة للمراجعة عام 1169م فكان يضيف شيئًا، أو يستدرك أمرًا فاته، أو يصوب خلطًا، أو يحذف ما يراه غير مناسب أو يقدم موضعًا أو يؤخر مسألة، حتى أصبح على الصورة التي نراها الآن بين أيدينا تحفة الكتب في تاريخ المدن.
وله كذلك أكثر من 30 مؤلفا أخر في عديد من العلوم، كالحديث والرجال وغيرها، عاصر دخول السلطان صلاح الدين لدمشق وتوليه الأمر فيها، ومات في نهاية ذلك العام 1176م وسار في جنازته خلقا كثيرا يتقدمهم نائبا عن السلطان وكثير من رجال القصر.
