في كتابه الشهير "الآثار الباقية عن القرون الخالية". ذكر العلامة البيروني، أبو الريحان محمد تفاصيل دقيقة عن التاريخ المصري القديم تقريبا لم يذكرها سواه من المؤرخين الذين كتبوا عن التاريخ المصري القديم في العصر الاسلامي. ويُعتبر كتاب البيروني موسوعة تاريخية وجغرافية وفلكية مقارنة، درس فيها البيروني تواريخ الأمم المختلفة وأنظمتها الزمنية وأعيادها. وفي سياق حديثه عن الأمم والحضارات القديمة، تطرق إلى التاريخ المصري القديم وأورد إشارات ومعلومات عنه وعن ملوك مصر القديمة، مستنداً إلى المصادر المتاحة له في عصره.
وفي كتابه "الآثار الباقية عن القرون الخالية", لم يقدم البيروني سرداً تاريخياً مفصلاً وشاملاً لتاريخ مصر القديمة بالمعنى الحديث، بل ركز اهتمامه على الجوانب التي تتوافق مع منهجه المقارن في دراسة التواريخ والتقاويم والديانات. وعديد من الدراسات الاخرى. ايضا تضمن الكتاب سجلاً لأسماء بعض ملوك مصر، خاصة من الأسرات المتأخرة (العشر الأخيرة). ويبدو أنه نقل هذه القوائم غالباً من مصادر يونانية كانت متاحة في عصره وفُقدت الآن، وتظهر المكتشفات الحديثة تقارباً كبيراً بين ما أورده البيروني وقوائم الملوك المعروفة. كما كان الهدف الأساسي للكتاب هو المقارنة بين تواريخ الأمم المختلفة (العرب، الفرس، اليونان، السريان، إلخ) وأنظمتها الزمنية، مثل بدايات السنين، الشهور، والأعياد. وقد تطرق إلى مصر في هذا السياق، مشيراً إلى طرق حسابهم للزمن.
وقد اعتمد البيروني على ما تُرجم إلى العربية من مصادر يونانية وسريانية وغيرها حول التاريخ المصري، حيث لم يكن علم المصريات الحديث بفك رموز الهيروغليفية قد بدأ بعد. وبذا تميزت كتاباته بالدقة والموضوعية في نقل ما وجده من معلومات، معتمداً على منهج علمي في التوثيق والمقارنة بين الروايات المختلفة، وتجنب الكثير من المبالغات التي وردت في كتب الإخباريين العرب الآخرين في عصره.
باختصار، قدّم البيروني لقطات تاريخية وجداول زمنية مستقاة من مصادر قديمة، لكنه لم يقم بالتنقيب أو تحليل شامل للحضارة المصرية بنفس العمق الذي تناوله في دراسته للهند مثلاً في كتابه "تحقيق ما للهند". وقد تميز منهج البيروني بوجه عام بالدقة والموضوعية والمقارنة بين مختلف الثقافات والأديان، مما جعله رائداً في هذا المجال. قدم مادة تاريخية قيمة تعكس اهتمامه بالاطلاع على حضارات الأمم الأخرى وتوثيق تراثها.
