يزيد بن معاوية وخلافة لم تلقَ القبول من أحد!

طارق الشافعي
كتب
0

في شوال من العام 60 للهجرة، كانت الكوفة تعيش أجواءً مضطربة بعد عزل واليها النعمان بن البشير. بينما ظهر مسلم بن عقيل، ابن عم الحسين بن علي -رضي الله عنهما-، كمبعوث لأهل الكوفة، يدعو الأنصار لمبايعة حسينا للخلافة. وفي هذه الأجواء المشحونة، دخلت المدينة كتيبة عسكرية ضخمة يتقدمها فارس ملثم، لا يُعرف وجهه، فطافوا شوارع الكوفة ثم وقفوا عند دار الإمارة. نزل الفارس، وكشف اللثام عن وجهه، فإذا هو عبيد الله بن زياد، والي البصرة، المعروف بشدته. صعد المنبر وخاطب الناس بلهجة تهديد: "من عرفني يعلم أن طاعتي خير، ومن عصاني فليتوقع عقابي الأليم! من منكم سيُسلمني مسلم بن عقيل؟"




الأمير وريث العرش

هو أبو خالد يزيد بن معاوية بن صخر بن حرب الأموي القرشي، ثاني خلفاء بني أمية، الذي تولى الحكم عبر أول عملية توريث ناجحة في التاريخ الإسلامي. وُلد في قرية ماطرون قرب دمشق عام 26 للهجرة، في عهد الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه-. أمه ميسون بنت بحدل من بني كلب، تزوجها معاوية لتوطيد العلاقات مع قبائل الشام، ثم طلقها فعادت إلى مضارب قومها. عندما كبر يزيد، استدعاه والده ليربيه تربية الأمراء، فكان يحضر مجالس الخليفة ويتعلم فنون الحكم والسياسة. 


عندما تولى معاوية الخلافة عام 41 للهجرة، كان يزيد في السادسة عشرة من عمره، فبدأ يشارك في الحملات العسكرية. وعندما أرسل معاوية جيشًا لغزو القسطنطينية، كان يزيد على رأس قوات المدد. وبعد وفاة الحسن بن علي -رضي الله عنه- عام 50 للهجرة، رأى معاوية فرصة لينقض العهد الذي قطعه معه، فاختار يزيد خليفة من بعده، رغم اعتراض بعض الصحابة الذين رأوا في غيره أحق بالخلافة. 


مأساة كربلاء

تولى يزيد الخلافة وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، وواجه أولى التحديات من أهل الكوفة والحجاز، حيث قاد الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير حركة رفض لحكمه. خرج الحسين إلى مكة، ثم تلقى دعوة من أهل الكوفة لينصرونه، فأرسل ابن عمه مسلم بن عقيل لاستطلاع الأمر. عندما وصلت الأخبار إلى يزيد، أمر والي الكوفة بالقبض على مسلم، لكن الوالي تردد، فعزله يزيد وأرسل عبيد الله بن زياد، الذي دخل الكوفة بقوة، قبض على مسلم وقتله. 




عندما وصل الحسين إلى مشارف الكوفة، وجد نفسه وحيدًا أمام جيش عبيد الله بن زياد. رفض التسليم، فدارت معركة غير متكافئة انتهت بمقتله ومقتل أصحابه في مشهد مأساوي. قُطعت رأسه وأُرسلت إلى دمشق، فكانت حادثة هزت العالم الإسلامي، وأصبحت ذكراها يومًا للحداد عند الشيعة.


الثورة في الحجاز

لم تتوقف الاضطرابات عند هذا الحد، فقد انتفض أهل المدينة ضد حكم الأمويين، فحاصروا دار الإمارة وأرسلوا إلى عبد الله بن الزبير في مكة. أرسل يزيد جيشًا بقيادة مسلم بن عقبة، الذي هاجم المدينة واستباحها ثلاثة أيام، ثم توجه إلى مكة لحصار ابن الزبير. وفي الطريق، توفي مسلم بن عقبة، فتابع القائد الحصين بن نمير المسير، وحاصر مكة، وأشعل النار في معسكر ابن الزبير، حتى التهمت النار أجزاء من الكعبة. لكن الحصار انتهى فجأة عندما وصل خبر وفاة يزيد.


الفتوحات وإرث مثير للجدل

في عهد يزيد، استأنف القائد عقبة بن نافع فتوحاته في شمال إفريقيا، بينما توغل سلم بن زياد في بلاد ما وراء النهر. لكن هذه الإنجازات طواها النسيان أمام الأحداث الدامية التي شهدها عهده. توفي يزيد عام 64 للهجرة، واختلف المؤرخون في سبب وفاته، تاركًا وراءه إرثًا مثيرًا للجدل. 




ختام المطاف

ترك يزيد بن معاوية بصمة دموية في التاريخ، فبينما يلعنه الشيعة، يترحم عليه بعض أهل السنة أو يتوقفون عند ذكره. مات شابًا، وخلفه ابنه معاوية الثاني، الذي تنازل عن الحكم بعد أيام، فاختار الأمويون مروان بن الحكم لمواجهة التحديات. وهكذا استمرت السلالة الأموية، لكن ذكرى يزيد بقيت محفورة في التاريخ كخليفة اختلف عليه الناس بين مديح ولعن.

الأقسام :

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)