الخلفاء المنسيون: كيف سقطت الدولة الأموية من الداخل؟

طارق الشافعي
كتب
0

 تغفل صفحات التاريخ أحيانًا، أو تُطوى عمدًا، أسماءً وحِقبًا كان لها بالغ الأثر في صياغة مصير الدول وتقلبات الأزمان. فبينما يُسلَّط الضوء على بناة الأمجاد ومُعلِي صروح القوة، يظل خلفاء الظلال، الذين حكموا في أوقات الضعف والتدهور، حبيسي زوايا النسيان، لا يعلم عنهم الكثير إلا النادر. إنهم أولئك الذين ساهمت سياساتهم وصراعاتهم، بل وحتى شخصياتهم، في تمهيد الطريق لزوال الدولة الأموية أمام طوفان العباسيين الزاحف.




يزيد بن عبد الملك: خليفة اللهو والترف

بعد أن أسدل الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز ستار حكمه في رجب سنة 101 للهجرة، تولى يزيد بن عبد الملك الخلافة، وريثًا لعهد كان قد بدأ فيه الإصلاح والتقوى. لكن يزيد كان على النقيض تمامًا ممن سبقوه؛ فبعده عن خبرة الحكم والسياسة جعله يميل إلى اللهو والترف وحياة البذخ. أعاد يزيد عطايا بني أمية من بيت المال، التي كان عمر قد منعها، بل زادها إغداقًا، سعيًا منه لكسب الولاء والمودة.


ولم يقتصر بذخه على العطايا، بل امتد إلى تعيينات الولاة؛ فكان يُرسل حكامًا إلى ولايات فارس، والجزيرة الفراتية، وبلاد ما وراء النهر، ويمنحهم إقطاعات واسعة. لكن هؤلاء الولاة، في غالبيتهم، كانوا يُفضلون البقاء في دمشق، ينيبون عنهم من يدير شؤون الولايات، تاركين إياها لعزف الفساد وتصفيق الاضطراب. كان النواب يحلون محل من سبقوهم، ويستحوذون على المناصب الرفيعة والمرتبات السخية، وخيرات الولايات، مما أدى إلى تفاقم الاضطرابات، لا سيما مع تنامي العصبية القبلية بين القيسية واليمانية. وقد استغل العباسيون هذا الفساد، ونشط دعاة خلافتهم سرًا في خراسان وسجستان، بالإضافة إلى حركات الخوارج في البحرين والأهواز.


شهد عهد يزيد بن عبد الملك ثورات مسلحة، أبرزها ثورة يزيد بن المهلب، أحد قادة جيش الشرق. خرج مسلمة بن عبد الملك، أخو الخليفة، لمواجهة هذه الثورة، لكن أهل الكوفة، الذين شجعوا ابن المهلب على الخروج، خذلوه عند المواجهة، شأنهم في ذلك شأن ما حدث مع الحسين بن علي، رضي الله عنه.


ويُقال أن يزيد بن عبد الملك، في خضم هذه الأحداث، كان مشغولًا بحب جاريتين، سلامة وحبابة. ورغم أن بعض المؤرخين المتأخرين، كابن كثير في "البداية والنهاية" وابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة"، يرفضون هذه الروايات ويعتبرونها موضوعة، إلا أنهم لا ينكرون انشغال يزيد عن أمور الدولة بالترف واللهو، مما أفضى إلى فساد الدولة وضعفها. توفي يزيد بن عبد الملك عام 105 هـ، وعمره لم يتجاوز الرابعة والثلاثين.


هشام بن عبد الملك: محاولات إصلاح في زمن الانهيار

خلف يزيد أخوه هشام بن عبد الملك، الذي اعتلى سدة الخلافة وقلبه يعتصر حزنًا على ما آلت إليه أمجاد آبائه وإخوته. حاول هشام جاهدًا استعادة شيء من تلك الأمجاد، لكن الظروف لم تسعفه. فالعصبية القبلية، والفساد المستشري في كل ولايات الدولة، والثورات والتمرد في كل مكان، من الخوارج في البحرين وبلاد فارس، إلى الشيعة في الكوفة، وثورات البربر في شمال إفريقيا التي ألحقت هزائم متتالية بالعسكر الأموي، كل ذلك كان يقف حائلًا دون تحقيق أمانيه.


ورغم هذه التحديات، استأنف هشام أعمال الفتوحات، بقيادة أخيه القائد مسلمة، الذي وصل إلى مدينة باب الأبواب في أذربيجان، لتصل الدولة الإسلامية في عهده إلى أقصى اتساع لها شرقًا وغربًا. وفي الأندلس، توغلت قوات عبد الرحمن الغافقي في فرنسا، لكنها مُنيت بهزيمة قاسية أمام شارل مارتل في معركة بلاط الشهداء قرب مدينة تور، والتي كانت بمثابة آخر المعارك الهجومية للمسلمين في الأندلس.


اهتم هشام بالبنية التحتية، فشق الطرق التجارية وبنى محطات الاستراحة للقوافل، كما بنى لنفسه عدة قصور، في أريحا بفلسطين، وفي الرصافة على ضفاف الفرات، مفضلًا قضاء وقته خارج دمشق المزدحمة. كما بنى المساجد في المدن المفتوحة، وأرسل إليها العلماء والفقهاء لتعليم الناس دينهم، وشجع حركة تدوين الأحاديث التي بدأت في عهد عمر بن عبد العزيز، مما ساعد على ظهور مدارس الفقه المختلفة.


ورغم جهود هشام الحثيثة لتقوية الدولة على جميع الأصعدة طوال حكمه الذي استمر قرابة عشرين عامًا، إلا أن الفساد الذي تغلغل في كل شبر، والحركات المناهضة لحكم الأمويين، كانت أقوى منه.




العابث والناقص والمخلوع: ختام مفجع لعهد بني أمية

بعد هشام، تولى الخلافة ابن أخيه، الوليد بن يزيد، الذي كان ميالًا للهو والصيد واللهو مع الجواري، شأنه في ذلك شأن والده يزيد. لم يحظَ الوليد بالقبول من الأمراء ولا رجال الدولة ولا العامة، حتى أن هشام نفسه كان يخطط لعزله وتولية ابنه مسلمة لولا ميول مسلمة للهو أيضًا.


ولما عرف الوليد بن يزيد بهذا التآمر، دبر مكيدة وقتلهم جميعًا، فثارت قبائلهم مطالبة بالثأر. حينها، اتجهت الأنظار نحو ابن عمه، يزيد بن الوليد بن عبد الملك، المعروف بتقواه وصلاحه، وشجعه بعض العساكر على الثورة ضد الوليد. استغل يزيد خروج الوليد في رحلة صيد، وحاصره وقتله، وقطع رأسه وطاف بها في شوارع دمشق، منهيًا خلافة الوليد التي لم تدم سوى سنة وبضعة أشهر. ورغم أن بعض المصادر التاريخية ترى أن الوليد كان ضحية لتجنّي مؤرخي بني العباس، إلا أن ضعفه وتآمر ابن عمه عليه كانا واضحين


تولى يزيد بن الوليد الخلافة بعد ذلك، وكان معروفًا بالتقشف والزهد. أعلن فور توليه تخفيض العطايا لأمراء بني أمية ومرتبات الجنود، فثارت عليه الدنيا، وأطلقوا عليه لقب بـ"يزيد الناقص". حاول كسب ظهير شعبي بخطبه في المسجد الأموي، مؤكدًا أنه لا يهمه جمع الخراج بقدر اهتمامه بإعادة بناء ما تهدم، وإقامة دين الله وسنة نبيه، ومحاربة البدع. لكن كل ذلك لم يُجدِ نفعًا، وتوفي بعد ستة أشهر من ولايته، يُرجح أنه مات مسمومًا.


تولى بعده أخوه إبراهيم بن الوليد، لكن ولايته لم تحظَ بإجماع. انقلب عليه مروان بن محمد، والي الجزيرة الفراتية، الذي كان صديقًا ليزيد بن الوليد. خرج مروان للانتقام من قتلة يزيد بجيش قوامه ثمانون ألف عسكري، وهزم جيشين أرسلهما إبراهيم. وقبل دخول مروان دمشق، خرج أهلها لمقابلته، وخلعوا بيعة إبراهيم، وبايعوا مروان خليفة. هرب إبراهيم من دمشق، وطلب الأمان من مروان، فسمي في كتب التاريخ "إبراهيم المخلوع"، ولم يستمر في ولايته سوى ثلاثة أشهر.


بتولي مروان بن محمد الخلافة في جمادى سنة 127 هـ، بدأ الفصل الأخير والمأساوي في دولة بني أمية بالمشرق. ورغم أن عبد الرحمن بن معاوية (عبد الرحمن الداخل) تمكن من النجاة والفرار إلى الأندلس، مؤسسًا هناك دولة أموية جديدة استمرت قرابة مائتي عام، إلا أن زوالها على يد الحاجب المنصور بن أبي عامر كان سببًا رئيسيًا في سقوط الحكم الإسلامي في الأندلس.


كلمة أخيرة: صراع على السلطة

استمرت خلافة بني أمية حوالي 92 عامًا، وحكمها ثلاثة أجيال من الخلفاء وأولادهم وأحفادهم. امتدت رايتها على مساحة شاسعة من الأرض، من حدود الصين شرقًا إلى ساحل المحيط الأطلسي غربًا، ومن جنوب فرنسا شمالًا إلى اليمن وعمان جنوبًا. ورغم أنها لم تكن دولة طويلة الأمد، إلا أنه لم تحكم دولة إسلامية لاحقًا مساحة كهذه، ولعل السبب في ذلك هو أن عوامل الضعف كانت تسير جنبًا إلى جنب مع مظاهر القوة والمجد.


بدأت الدولة الأموية بنداء معاوية بالانتقام من قتلة عثمان، والذي كان مبررًا لحربه للإمام علي خمس سنوات، بينما كان في الواقع يبني ملكًا لأسرته. ودعا معاوية لولاية الأبناء، وكان أول من نادى بها. كما أن الخلفاء الأمويين كانوا يعينون اثنين أو ثلاثة في ولاية العهد، ثم يأتي من بعدهم من يريد عزل ولي العهد وتولية ابنه.


من هنا، نشأت المشاكل التي تفاقمت مع سياسة القمع التي استخدمها الولاة ضد المعارضين، مما جعل الناس كرماد تشتعل تحته نار، أي نفخة كانت كفيلة بإشعالها. هذا، بالإضافة إلى الفساد الذي نخر أركان الدولة، والعصبية القبلية بين اليمانية وبني قيس عيلان، كل ذلك مهد الطريق للعباسيين للقيام بثورتهم الدموية.




وفي الختام، يتبين أن الأمر لم يكن أكثر من صراع على السلطة، الغالب فيه هو من يمتلك السيف، والرجال، والتخطيط الأفضل. أما حماية الدين، ونشر الدعوة، والجهاد، ونصرة آل البيت، وغيرها، فكانت كلها واجهات ورايات استخدمها بنو أمية ومن بعدهم بنو العباس لاستقطاب المؤيدين. وحدهم الخلفاء الراشدون الأربعة الأوائل كانت خلافتهم لله والدين، لم يفكر أحدهم في نفسه أو أولاده أو قبيلته بقدر تفكيره في نشر الدعوة وحماية الرسالة. أما بعدهم، فقد أصبح الأمر سياسيًا بحتًا، لا نصيب له من الدين إلا الاسم فقط.

الأقسام :

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)