عثمان بن عفان رضي الله عنه وبدايات الفتنة الكبرى

طارق الشافعي
كتب
0

حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم وجموع المؤمنين لغزوة بدر، خرج معهم عثمان بن عفان تاركا زوجته السيدة رقية بنت رسول الله مريضة، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يبقى لرعايتها، وأخذ منه كنانته بما فيها من سهام. وأثناء المعركة، ماتت السيدة رقية فحملها زوجها لمثواها الاخير في البقيع. وبينما هو عائد لقيه بشير النصر قادماً من بدر، فانطلق مع جموع الأنصار لاستقبال النبي صلى الله عليه وسلم على مشارف المدينة المنورة. فما ان رأى وجهه تبدو عليه ملامح الحزن، فأخذ بيده وذهبوا معاً ليودعا ابنته وليدعوا لها، وبشّره النبي بأنه قد رمى عنه سهمه في بدر، وحفظ له نصيبه من الغنيمة والأجر.




منزلة "ذو النورين"


إنه أبو عبد الله عثمان بن عفان بن أبي العاص الأموي القرشي، ثالث الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأقرب الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. لُقب بذي النورين لأنه تزوج ابنتي النبي الكريم: السيدة رقية، ثم بعد وفاتها تزوج السيدة أم كلثوم رضي الله عنهما. وقد قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: "لو كان عندي ابنة ثالثة لزوجتها عثمان"، دلالة على مكانته السامية وحبه الكبير له.


كان عثمان من بني أمية، سادة قريش وأغنيائها. ومع ذلك، تميز في الجاهلية بعفته وحيائه، فابتعد عن ملذات الدنيا التي انغمس فيها أقرانه من أبناء الأسر الثرية. كما نفر عن عبادة الأصنام، فكان ذلك مدخلاً لسيدنا أبي بكر الصديق لدعوته للإسلام، فأسلم مبكراً وكان من أوائل المسلمين.


بفضل قرابته من سادات قريش، تمتع عثمان بحماية عشيرته، فلم يتعرض للأذى كما تعرض غيره من الصحابة. هاجر إلى الحبشة مع زوجته السيدة رقية في الهجرة الأولى، وعندما هاجر إلى المدينة، لم تُصادر أمواله في مكة، خلافاً لما حدث مع غيره. وقد اختاره النبي صلى الله عليه وسلم سفيراً للمفاوضات مع قريش في صلح الحديبية، لعلمه بحبهم له.


في المدينة المنورة، برز عثمان بحلمه وحكمته وسداد رأيه. كان جواداً كريماً ينفق على الفقراء والمساكين بسخاء. اشترى بئر رومة وجعلها وقفاً للمسلمين، ووسع المسجد النبوي بأرض اشتراها من ماله الخاص. وفي غزوة تبوك، تبرع بثلاثمائة جمل كاملة الأحمال وألف دينار لدعم الجيش الإسلامي.


تولية عثمان للخلافة


بعد استشهاد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أوصى باختيار خليفة خلال ثلاثة أيام من بين ستة مرشحين. اجتمع كبار الصحابة في سقيفة بني ساعدة، وتنازل بعض المرشحين عن حقهم، حتى اقتصر الاختيار على ثلاثة هم: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله. قام عبد الرحمن بن عوف بمشاورة الناس وجمع الآراء، حتى أعلن في اليوم الثالث مبايعة عثمان بن عفان بالخلافة على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين الراشدين من قبله. فبايعه الجميع، بما فيهم سيدنا علي بن أبي طالب الذي قبل النتيجة برضا وسلام.


الولاة من بني أمية


بعد توليه الخلافة، قام عثمان رضي الله عنه بتغيير العديد من الولاة، وعين مكانهم أقاربه من بني أمية، معتبراً ذلك براً بأهله وطاعة لوصية النبي صلى الله عليه وسلم في الإحسان إلى الأقربين. غير أن هذا القرار أثار انتقادات واسعة، خاصة عندما ثبت فسق بعض الولاة الجدد، مثل الوليد بن عقبة الذي صلى بالناس وهو سكران. كما واجه سخطاً شديداً من ولايات الكوفة ومصر بسبب سياسة الولاة القاسية، مثل عبد الله بن أبي السرح الذي زاد الضرائب على المصريين بشكل كبير.


الفتوحات في عهد عثمان


شهد عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه توسعاً كبيراً في الفتوحات الإسلامية. فقد ضمت الدولة ولايات جديدة ووصلت جيوش المسلمين إلى أرمينيا وخراسان وسجستان. كما بنى معاوية بن أبي سفيان أول أسطول بحري إسلامي، وانتصر المسلمون على البيزنطيين في معركة ذات الصواري البحرية الشهيرة، مما عزز النفوذ الإسلامي في البحر المتوسط.


السياسة المالية في عهد عثمان


غير عثمان بن عفان السياسة المالية التي كان يتبعها عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فأباح تملك الأراضي والعقارات، مما أدى إلى اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء. وقد أثار هذا القرار اعتراضات كثيرة، كان أبرزها اعتراض أبي ذر الغفاري الذي انتقد سياسة عثمان المالية، مما أدى إلى نفيه إلى الربذة.


الجمع الثاني للقرآن


من أعظم إنجازات عثمان بن عفان رضي الله عنه جمع القرآن الكريم في مصحف واحد. فلما اختلف المسلمون في القراءات بين الأمصار، أمر بنسخ المصاحف وإرسالها إلى مختلف البلدان الإسلامية لتوحيد القراءة، حفظاً للقرآن من التحريف والاختلاف.


بدايات الفتنة الكبرى


في أواخر عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه، تجمع المعارضون من مصر والعراق، وطالبوه بالتنحي بعد فشل محاولات الإصلاح. وتصاعدت الأحداث حتى حاصروه في داره، ثم اقتحموا عليه داره وقتلوه وهو يقرأ القرآن. فكانت نهايته مأساوية، وبداية للفتنة الكبرى التي قسمت صفوف المسلمين.




وهكذا كان عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، مليئاً بالإنجازات العظيمة والتحديات الجسيمة. فقد وسع رقعة الدولة الإسلامية، وجمع القرآن، ولكنه واجه في نهاية عهده الفتنة التي أودت بحياته. فرحم الله عثمان وأسكنه فسيح جناته، وجمعنا به في دار كرامته.

الأقسام :

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)