يعتبر التقويم الهجري أحد أهم القرارات الادارية التي اتخذها خليفة المسلمين الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه في العام 16 للهجرة. قبله كان المسلمون بل العرب جميعا يتخذون تقويما بدائيا يعتمد على الشهور القمرية ويؤرخ بالأحداث العظمى: عام الفيل، عام داحس والغبراء، عام المجاعة، عام الفتح، وهكذا..
فهم كما نعلم جميعا أمه بدوية قليلة الاحتياج، ولا دراية لها بالعمل الإداري المُعقد. ولكن بعد قيام الدولة الإسلاميه والاحتياج إلى التقويم، يروي لنا بن كثير في (البداية النهاية) إن أبا موسى الاشعري والي البصرة كتب إلى خليفة المسلمين في المدينة يشتكي: "يا أمير المؤمنين تأتينا الكتب وقد أُرخ لها في شعبان، ولا ندري أهو في السنة الماضية؟! أم الحالية؟! ". أيضا تبين للخليفة عمر بن الخطاب منذ أن كان قاضيا للمدينة على عهد سابقه الصِّديق إن العهود والمواثيق والآجال كانت تُبرم بين الناس استناداً لتوقيتات الأشهر فقط دون ذكر السنوات، لم يكن لدولة المسلمين الوليدة آنذاك تقويم سنوي معتمد وموحد .
وهنا قرر الخليفة علي إثرها أن يجمع كبار الصحابة للتشاور حول هذه القضية قائلاً لهم ضعوا للناس تقويماً يحدد الآجال بالسنين حتي يعرف الناس مواقيتهم وحلول ديونهم، فبدوا يقدمون عدة اقتراحات، منهم من قال: "نؤرخ كما يؤرخ الفرس بملوكهم كلما هلك احدهم أرخوا من تاريخ ولاية الذي بعده." وكره عمر ذلك. وقال اخر: "نؤرخ كما تؤرخ الروم من زمن الاسكندر. والذي يبدأ من وفاة الاسكندر الأكبر 323 ق.م أو قيل من تاريخ إنتصار سلوقس في بابل 312 ق.م"، وكره عمر ذلك ايضا لتشبهه بغيره من الامم ولطول التاريخ وبُعده عن زمنه الحالي.
والملفت أنه لم يذكر أحد من الحضور التقويم الميلادي "او الجريجوري" والذي يبدأ بميلاد المسيح عليه السلام، وذلك لأنه لم يكن منتشرا علي نطاق واسع حتي عند البيزنطيين في ذلك الزمان، قال آخرون : "بل نؤرخ بميلاد الرسول الله (ص)" ، وقال غيرهم: "بل من يوم مبعثه" وقال اخر: "بل يوم وفاته". ولكن كل هذه الآراء لم تنال من استحسان الجميع، وهنا أشار الامام علي بن ابي طالب رضي الله عنه، أن نؤرخ من تاريخ هجرة النبي من مكة إلي المدينة لأنها البداية الفعلية لانتشار الدعوة الاسلامية، فتم الاتفاق بالإجماع على أن تكون الهجرة النبوية هي النقطة الفاصلة وبداية التقويم، لما لها من أهمية كبيرة في حياة المسلمين حيث شكلت بداية جديدة في انتقالهم من مرحلة الإضطهاد إلى بناء الدولة الإسلامية.
وبعد الاتفاق على الهجرة كنقطة بداية، تم اختيار شهر محرم كبداية للسنة الهجرية الجديدة علي الرغم من أن الهجرة كانت في شهر ربيع الأول. ولكن جاء هذا القرار لأن شهر محرم يأتي بعد موسم الحج، وهو وقت يعود فيه الناس إلى حياتهم الطبيعية بعد أداء المناسك وهكذا، أصبح الأول من محرم من العام 17 للهجرة هو بداية السنة الهجرية الأولى.
فكرة اعتماد التقويم الهجري بعد ستة عشر عامًا من الهجرة لم يكن مجرد قرارًا إداريًا، بل كان خطوة تعكس بُعد النظر في تنظيم حياة المسلمين وتوحيد نظام زمني يمكن الاعتماد عليه فهو جزءًا لا يتجزأ من الهوية الإسلامية. فمن خلال هذا التقويم، يظل المسلمون مرتبطين بحدث الهجرة النبوية الشريفة، الذي يذكرهم بأهمية التضحية والإيمان والعمل الجماعي في بناء مجتمع قوي ومتماسك.
