من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل في التاريخ السياسي المصري الحديث هي شخصية شمس الدين بدران وزير الحربية (الاستثنائي) في عهد جمال عبد الناصر. ليس لانه اصغر وزير حربية في تاريخ الوزارة، ولكنه أيضا حوكم بتهمة الفساد، ونُسب إليه تعذيب أفراد من جماعة الإخوان المسلمين. عاش في لندن بعد خروجه من مصر إلى وقت وفاته.
تخرج بدران من الكلية الحربية المصرية عام 1948م وانضم لتنظيم الضباط الأحرار، وبعد الثورة ارتبط منذ بداية ظهوره بالمشير عبد الحكيم عامر وزير الحربية حيث عمل بدران كسكرتير لعامر ومديرا لمكتبه، فناله جزءاً من سطوته ونفوذه. كما انفرد أيضاً من بين رجال المشير بقربه من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر حتى ذهب بعض المُحللين إلى أن بدران كان عيناً لعبد الناصر داخل مكتب عامر! وربما دفعهم الى هذا تعيين بدران وزيراً للحربية في سبتمبر عام 1966 متجاوزاً لمئات الأقدميات، باعتبار ذلك تعييناً سياسياً لا يخضع للقواعد الروتينية.
ولعل من أشهر ما رُوي عن بدران استجوابه لتنظيم 1965 والذي ضم الكاتب سيد قطب وعشرات من كوادر جماعة الإخوان المسلمين، والذي أكدت عديد من التقارير نقلا عن شهود عيان أن بدران أسرف في إهانة المعتقلين داخل أروقة السجن الحربي، وانتزاع الإعترافات منهم بأساليب عديدة. كما تولى بنفسه عملية تفكيك خلاياهم واعتقال مزيد من أفرادها والزَّج بالآلاف منهم في السجون. الأمر الذى دعا عديد من كُتاب الجماعة ومُنظريها في وقت لاحق إلى ”شيطنة“ شمس بدران، واتهامه بعديد من قضايا الفساد منهم ما ثبُتت عليه لاحقا ومنهم ما لم تثبت! ولكن خلال فترة وزارته كان بدران ذا شخصية قوية مُهابة يتمتع بنفوذ واسع داخل القوات المسلحة والمكاتب الرئاسية وباقي مؤسسات الدولة، حتى بدأت تنسج حوله القصص ويتحدث العامة عن دوره باعتباره أحد أكبر مراكز القوى مع منتصف ستينيات القرن العشرين عندما كان العهد الناصري يتجه بسرعة نحو حالة الارتباك التي مهدت لهزيمة يونيو 1967م.
وعقب هزيمة يونيو 1967 أحيل بدران للمحاكمة مع مجموعة كبيرة من قادة الجيش منهم المشير عامر شخصيا، لمسئوليتهم المباشرة عن الهزيمة. وقد تم اثبات عديد من تهم الفساد على بدران بشكل شخصي وتم الحكم بسجنه، وظل في السجن حتى مايو 1974، حيث منحه الرئيس الراحل أنور السادات عفوا صحيا، سافر بعدها بدران إلى العاصمة البريطانية لندن، واستقر هناك في هدوء، حتى وافته المنية في نوفمبر عام 2020. استعان شمس بدران باحد الصحفيين لكتابة مذكراته ورواية الأحداث من وجهة نظره، وبالفعل تم نشرها عام 2018 كما انه كان بعيدا تماما عن الإعلام مُقلا في الظهور، حتى اكتشف العاملين بارشيف الصحافة أن صوره الشخصية لديهم قليلة جدا، ولا توجد منها الا مايختص بمحاكمته وبعد زوال نفوذه.
