عندما نتحدث عن الأندلس لا يكاد يعيش عربي مسلم إلا ويشعر بالحنين إلى حقبتها، فيها كتب شعراء المهجر ابياتا عديدة حتى غير المسلمين منهم. ايضا عشاق التاريخ الإسلامي من محبي الفتوحات والغزوات؛ فأمامهم تاريخٌ مجيد من غزوات عنبسة بن سحيم الكلبي والغافقي الذي وصل إلى بواتيه، وكان بينه وبين باريس التي تسمى منذ القرن الثامن عشر عاصمة النور ستون كيلو مترًا فقط. والسؤال هنا: هل هذه الحالة حقيقية؟ أم هي مجرد «نوستالجيا» او «ميثولوجيا»، أي أسطورة ومجموعة من القصص الفلكلورية لتاريخ اختلطت فيه الحقيقة بالاوهام؟؟
![]() |
| قصر الحمراء بغرناطة - اسبانيا |
- في العلوم والفنون
عندما تتعمق في التاريخ الأندلسي قد لا تجد منتجًا يمكن ادّعاء تفردها به عن سائر بلدان العالم الاسلامي. فعندما نراجع تراث الفلسفة على سبيل المثال سنجد الأندلس من اقل الأقطار التي حكمها المسلمون في إنتاج كتب الفلسفة والمنطق، وكان الأندلسيون بطبيعتهم يرفضون هذا العلم ولا يُقبِلون على تعلّمه، وكانت قراءة الفلسفة تساوي عندهم الزندقة. حتى إن المنصور بن أبي عامر عندما أراد زيادة شعبيته لدى العامة والفقهاء، عمد إلى حرق كل كتب الفلسفة في المكتبة الأموية التي جمعها الخليفة المستنصر بالله. وبالتالي لم يبرز في الفلسفة بالأندلس على مدار سبعة قرون سوى خمس شخصيات رئيسة. الأولى ابن مسرّة الجبلي، الذي جمع بين التصوف والاعتزال بعد رحلته للشرق وتلقّي علوم الفلسفة والتصوّف في الحجاز والبصرة. وقد حُرقَت كل كتبه بأمر من الخليفة عبد الرحمن الناصر، ولم يتبقَّ منها سوى النزر اليسير المأخوذ ممن ردّوا عليه، والفيلسوف ابن رشد الحفيد المتأثر بالفلسفة اليونانية وشروحات الفلاسفة العرب في الشرق، ولم تجد كتبه ولا منطقه أي صدى بالأندلس، بل حُرقَت جميعها بأمر من خليفة الموحدين أبي يوسف يعقوب، والذي نفاه خارج قرطبة. ومن مجموع مؤلفاته التي بلغت 108 وصلنا منها فقط 58 وهم ما ترجمه منها يهود طليطلة ومنها نُقلت لباقي أوروبا ، ولولا ذلك لضاع تراثه وما عرفه أحد. ولذلك لم يُبنَ على مدرسة ابن رشد بالعالم العربي وبُنيَ عليها في أوربا وتطورت مع الوقت. أما الشخصية الثالثة فهي محيي الدين ابن عربي، ابن المدرسة الشرقية الإسلامية. والشخصيتان الأخيرتان، ابن باجة وابن طفيل، وكلاهما هجر الأندلس بعد اتهامهما بالكفر والزندقة. ويُستَزاد في هذا الموضوع من كتاب عبد الرشيد محمودي «فلاسفة الأندلس: سنوات المحنة والنفي والتكفير».
كذلك لم ينبغ الأندلسيون في الموسيقى، وظلّت الأندلس بلا تراث موسيقي حتى قدم إليها زرياب الشرقي الثقافة، والبغدادي الموصلي الذي تلقى علوم الموسيقى على يد معلمه إبراهيم الموصلي وانتقل إلى قرطبة ومعه ما كان موجودًا في الشرق من العلوم والحضارة، والذي اسس في قرطبة «دار المدنيات» لتعليم وتدريب جواري الخليفة من منطقة الحجاز، وتحديدًا قيون المدينة، الموسيقى والغناء، فشكلوا النواة الأولى للموسيقى الأندلسية. ايضا نقل زرياب طرائق الأكل الأرستقراطية التي شاهدها في قصور بغداد، والأزياء الحديثة، وعادة تقصير اللحى وقص رؤوس الرجال، والصابون ومعجون الأسنان، وغيرها من العادات التي اعتبرها الاندلسيون طفرة في مجال الذوق والتيكيت، وعبر الأندلس انتقلت لمدن القشتاليين ومنها لسائر مدن وبلاد أوروبا.
وفي العلوم الاجتماعية والطبيعية ليس في الأندلس ما يوازي بأي شكل من الأشكال ما قدّمه علماء الشرق من علوم الطب والجبر والرياضيات والفيزياء والفلك وغيرها من العلوم. أما في علوم الدين فلم يبرز منهم سوى الامام القرطبي، والذي يعتبر ابن المدرسة الشرقية، الذي عاش شطر حياته الثاني في المنيا بصعيد مصر حتى وفاته عام 1273. أما في الفقه فكان أهل الأندلس على مذهب الأوزاعي امام اهل الشام ثم المذهب المالكي الحجازي، وكلاهما من الشرق، ولم يظهر فيهم سوى ابن حزم والذي كان شافعيًا أول الأمر ثم تحوّل للمذهب الظاهري الناشئ في بغداد، ولم يبق من آثار مذهبه وجود، بجانب ما قدمه الشاطبي في علم الحديث والفقه.
أما الشعر فلا يُعرَف بالأندلس من برع فيه وجارى شعراء المشرق. سوى شعر ابن زيدون وولّادة بنت المستكفي في العشق، والشاعر يحيى الغزال الذي عدَّ نفسه تلميذًا لشعراء العراق والشام، وتحديدًا أبي نواس وأبي تمام، وعندما نُفِي للشرق لم يجد لنفسه مكانًا في بغداد وسط شعرائها العظام حتى سمح له عبد الرحمن الأوسط بالعودة. وخلافًا لهؤلاء لم يوجد في الأندلس من تركوا أثرًا كبيرًا على الشعر العربي. وكذلك في الأدب؛ إذ لا وجود لأديب قدّم شيئًا يذكر، خلافًا لابن عبد ربه صاحب «العقد الفريد» الذي نقل فيه تراث الشرق، لفقر الأندلس الأدبي وعدم وجود ما يستحق الذكر فيها من أحداث.
- في البناء والعمران
وفي حركة البناء والعمران كانت الأندلس مزيجًا من النمط المعماري الدمشقي، الذي نقله الامويون معهم في البداية، والمغاربي الذي نقله الموحدون ابان حكمهم لبلاد الأندلس والقوطي الاوروبي الذي كان موجود بالفعل قبل دخول المسلمين، ليتحوّل هذا التمازج لما يسمى الآن بالمعمار الأندلسي. وقد تميّز هذا النمط من العمارة بالبذخ الشديد ولذا لم يكن عمليًا؛ وهذا ما يفسّر انحساره في القصور الملكية وعدم توسعه في أرجاء الأندلس. ولم يتبق منه الان الا قصر الحمراء في غرناطة (بني عام 1353م) ، ومسجد قرطبة الجامع الذي كان في الأصل كنيسة إسبانية ومُزِج فيه ما بين العمارة القوطية والعربية الدمشقية، وأطلال مدينتي الزهراء والزاهرة التي دمرتها الحرب الأهلية بين المغاربة البربر وأهل قرطبة بالفترة 1009-1031، وقصر المورق (المبارك) وبرج الجيرلدة وقصر الكازار في إشبيلية، ومسجد باب المردوم، وبقايا المسجد الكبير في طليطلة، ولا وجود لأي أثر ذي قيمة في البرتغال.
في المقابل، نجد في القاهرة ودمشق وبلاد فارس وبلدان ما وراء النهر (حاليا آسيا الوسطى) وتحديدًا مدن بخارى وطشقند وفرغانة في أوزبكستان ومرو الشاهجان في تركمانستان وآثار حضارة المسلمين المغول في الهند ما لا يحصى عددًا وعظمةً مما في الأندلس من عمارة.
- الصراع العنصري الطائفي
ايضا عانت الأندلس من حالة صراع دائم ومستمر؛ فمنذ دخول المسلمين الأوائل بدأ الصراع بين طارق بن زياد والبربر الامازيغ من ناحية، وموسى بن نصير والعرب من ناحية أخرى، وقُتل ثاني ولاة الأندلس عبد العزيز بن موسى على يد أصحابه. وظلّت الأندلس في حالة احتراب أهلي حتى إنَّ الخليفة عمر بن العزيز فكّر جديًا في سحب العرب والمسلمين منها! وذلك لخشيته من فنائهم فيها -وهو ما تحقق فيما بعد-، ولمّا وجد أن الانسحاب قد فات زمانه سعى لتولية الأمر فيها لولاةٍ صارمين اقوياء موثوقين كالسمح بن مالك الخولاني.
وبقدوم عهد عبد الملك بن قطن الفهري وصل الصراع لأشدّه بين العرب والأمازيغ، وظلوا يقاتل بعضهم بعضًا، وبقايا القوط يتوسعون شمالًا مؤسسين مملكة أستورياس (التي كانت نواة الممالك الشمالية التي طردت المسلمين من الأندلس فيما بعد). وفي خضم هذا الصراع استعان والي الأندلس بالقائد العربي بلج بن بشر القشيري ليأتي من سبتة معينًا له على قتال البربر او الأمازيغ المسلمين. ثم لاحقًا بوصول الوالي أبي الخطار الكلبي للحكم نشأ نزاع من نوع جديد بين العرب اليمانية والعرب القيسية، وظلّت الصراعات بينهم حتى تجمعوا للقتال بمعركة شقندة عام 747، التي راح ضحيتها أكثر من 20 ألف عربي. أما بعد حكم عبد الرحمن الداخل وتأسيس الإمارة الأموية، ففي ثلاث وثلاثين سنة من حكمه واجه اثنين وعشرين ثورة! ومن بعده أبناؤه وأحفاده ظلوا في تقاتلٍ مستمر إما بين المسلمين العرب أو ضد المسلمين الأمازيغ والمسلمين المولّدين.
عاشت هذه الصراعات 100 سنة تقريبًا، قُسّمت فيها الأندلس لإمارات متنازعة، إلى أن استعاد توحيدها من جديد عبد الرحمن الناصر. حينها دخلت في مرحلة هدوء نسبي سُميَّت «ربيع قرطبة»، ابتدأت من عام 961 إلى نهاية عهد المنصور بن أبي عامر عام 1003 (أي أقل من خمسين سنة)، لتبدأ مرحلة ملوك الطوائف عام 1011، حيث انقسمت الأندلس إلى 22 دويلة تحارب بعضها بعضا، ثم مرحلة المرابطين والموحدين التي بدأت عام 1090، وانتهت بمعركة العقاب عام 1212 بسقوط الأندلس، باستثناء غرناطة التي ظلت ولاية تابعة لمملكة قشتالة المسيحية حتى سقوطها النهائي عام 1492.
لم تبقَ مملكة غرناطة لمدة 255 سنة لفرط قوتها؛ بل لخضوعها منذ تأسيسها عام 1237 لسلطان ملك قشتالة فرناندو الثالث وخلفائه من بعده، وهو من سمح لأبي عبدالله محمد الأول أن يحكمها مقابل إتاوة سنوية، وأن يقاتل معه حين يطلب منه جنودًا لقتال أعدائه، وأن يحضر بصفته حاكمًا باسم الملك لمقاطعة تحت سلطة مملكة قشتالة الجلسة السنوية للبرلمان (الكورتيز) كدليل على الخضوع والتبعية. ونتيجة حذر الممالك الشمالية من إشعال صراع بينهم إن حاولت مملكة منهم الاستيلاء على غرناطة بشكل منفرد، ظلّت غرناظة معلقةً في حالة تبعية لقشتالة، وبعدما اتّحدت الممالك الثلاث ليون وقشتالة وأراجون سقطت مملكة غرناطة فوريًا. ببساطة، كان الأمر متوقفًا على قرار توافقي بين الملوك الإسبان لا أكثر.
يتضح مما سبق أن الأندلس شهدت أسوأ أنواع الصراعات، وصورة تاريخية سوداء من الدماء بين المسلمين، ولم تعش مرحلة هدوء واستقرار حقيقي إلا أقل من خمسين سنة.
- الاندلس سياسيا واجتماعيا
نحن هنا أمام نموذج للفشل السياسي الكامل. فعندما سقطت الدولة الأموية ورثتها الدولة العباسية، وعندما سقطت الأخيرة في بغداد انتقلت بعد فترة قليلة إلى القاهرة حتى ورثتها الدولة العثمانية. كما إن المسلمين فقدوا السلطة في الهند وروسيا وبعض البلدان الإفريقية، لكن الإسلام ظل في هذه الأماكن حتى اليوم ولم ينته بنهاية السلطة كما حدث في حالة الأندلس؛ إذ لا وجود للمسلمين فيها اليوم!
ايضا يمثّل النموذج الأندلسي ذروة الفشل الاجتماعي في عدم قدرة المسلمين أنفسهم على التعايش فيما بينهم؛ إذ تنازعوا باستمرار عربًا قيسية مقابل يمانية، وعربًا مقابل البربر الأمازيغ، وعربًا وأمازيغ مقابل مولّدين، وبلديين مقابل شاميين بعد قدوم طالعة بلج بن بشر القشيري. وقد ظل هذا التنازع حتى آخر يوم حكموا فيه الأندلس، في ظل عدو يلتهم أراضيهم الواحدة تلو الأخرى، وهو ما يمثل حالة فريدة لا مثيل لها في باقي بلدان العرب والمسلمين. حقا ان تمجيد نموذج التسامح الديني الأندلسي مع غير المسلمين من اليهود والمسيحيين في ظل فشل المسلمين في التعايش فيما بينهم لا نكون مبالغين اذ اعتبرناه إهانة لتاريخ الحضارة العربية الإسلامية، عبر تصويرها كأنها تتسامح مع الاديان في حين لا تقبل الآخر! ، وأن الأندلس هي وحدها من تفرّدت بهذا النموذج. فباستثناء قلة من اليهود لم يبرز من المسيحيين أي شخصية ذات شأن في أي مجال، بينما شهد الشرق العربي نماذج لا تعد ولا تحصى من بروز اليهود والمسيحيين المشاركين في بناء هذه الحضارة منذ يومها الأول، وذلك التزامًا بالقيم العربية والتشريع الإسلامي القائم على قاعدة «لا إكراه في الدين»، وعدِّ اليهود والمسيحيين أهل كتاب.
![]() |
| صورة تخيلية للقائد طارق بن زياد (كما تخيله فناني الغرب) |
وعلى سبيل المثال، أجبر الموحدون حكام الأندلس الحاخام موسى بن ميمون على التحول للإسلام. فهرب منهم إلى مصر وعرض ما حدث له على فقائها فأفتوا بأنَّ إسلامه لا يصح كونه في حُكم المكره وأن له البقاء على اليهودية لو كانت تلك هي ارادته، وهو ما حدث بالفعل، ليتولى منصب كبير الطائفة اليهودية، ويعمل مستشارًا وطبيبًا للسلطان صلاح الدين الأيوبي وغيره من أبناء الأسرة الأيوبية. ولتقدير ما وصل إليه اليهود من نفوذ في ظل الحكم العربي في الشرق قال القائل: «يهود هذا الزمان قد بلغوا غاية آمالهم، وقد ملكوا العزّ فيهم والمال عندهم، ومنهم المستشار والملك. يا أهل مصر.. إنّي قد نصحت لكم تهوّدوا فقد تهوّد المُلك». أيضا في عهد الدولة العباسية برزت أسرة بختيشوع المسيحية السريانية، وكان منهم الوزراء والأطباء والفلاسفة والمترجمون والمستشارون، وكانوا بجانب يوحنا بن ماسويه المسيحي السرياني وحنين بن إسحاق المسيحي النسطوري مؤسسي بيت الحكمة في بغداد، التي أضاءت الكون بترجماتها وحفظها للتراث الإنساني الفلسفي والعلمي والذي نبذته الكنيسة في أووبا وعدَّته تراثًا وثنيًا.و في عصر الخليفة العزيز بالله الفاطمي أصبح اليهودي يعقوب بن كلس مديرًا للدولة، وكان كبير الوزراء المسيحي عيسى بن نسطروس ومتولّي أعمال الشام اليهودي منشا، حتى سمع امرأة تقول له: «بالذي أعز اليهود بمنشا، والنصارى بعيسى ابن نسطورس، وأذل المسلمين بك، إلا ما كشفت ظلامتي». ورغم ما قد تحمله هذه الأشعار والكلمات من تحريض فإنها تبرز ما حازه المسيحيون واليهود من نفوذ فضلًا عن الحرية الدينية، وحكمة الخلفاء العرب في عدم الانسياق خلف دعاوي المتشددين. وعلى الرغم من اختلافهم السياسي والمذهبي توافقوا على قاعدتي التسامح والحرية الدينية، وتقديم معيار الكفاءة على ما سواها ما دامت في خدمة المجتمع والدولة والإسلام وعظمته؛ وهو ما جعل هذه الحضارة منارة للكون بأكمله عندما كانت أوربا غارقة في ما سمّته العصور الوسطى المظلمة.
- اسطورة (الفردوس المفقود)
مؤخرا كان أهل الشام أكثر من أسهم في بروز وتنمية الفكر القومي العربي، وهنا أقصد الشام الكبير من فلسطين إلى الإسكندرونة، وكان المسيحيون أكثر المتحمسين للفكر القومي العربي ودعاته. فقد عانوا طويلًا من معاملتهم كمواطنين درجة ثانية على أفضل تقدير في الربع الأخير من عمر الدولة العثمانية التي انحرفت عن مبادئ الإسلام وقيم الخلفاء العرب. وبعد تجربة مذابح المسيحيين عام 1860 أدرك كبار مفكريهم أن مستقبلهم يكمن في استعادة الروح للهوية العربية لتشكِّل رابطة تجمع الكل تحت مظلتها دون تفرقة بالدين، وفي الوقت نفسه تحترم خصوصية كل فريق ولا تنفيها.
أسهمت هجرة المسيحيين إلى الخارج بعد مذابح 1860 في توافد كثيرٍ من مفكريهم إلى مصر التي أتاحت لهم العيش فيها بحرية وأمان، وكانت حركة الترجمة والفكر والثقافة في أوج نشاطها بالقاهرة. استغلّ المثقفون المسيحيون من الشوام هذه الحالة، وكتبوا الكثير من الكتب والمؤلفات حول تاريخ العرب وأمجادهم. كانت الكتابات الأولى المختصة بالأندلس، والكتاب الذي حوّلها من مجرد ذكرى تاريخية في كتب المؤرخين لأسطورة رائجة بين عامة العرب الكتابُ الشهير «فتح الأندلس» عام 1903 للبناني الأرثوذكسي جورجي زيدان مؤسس دار الهلال. وسبقه إلى ذلك المعلم بطرس البستاني الماروني وابنه سليم البستاني في كتاب «معارك العرب في الأندلس»، والأديب إبراهيم اليازجي، والصحافي فارس نمر مؤسس جريدة المقطم، ويعقوب صروف، والمؤرخ شاهين مكاريوس. شكَّل الشَّوام المسيحيون نواة الفكر القومي العربي الحديث بمفهومه الثقافي، وكانوا أول من لفتوا أنظار العرب إلى هذا الإرث الذي لم يعد له وجود في حياتهم، وكانت القاهرة مركزُ نشر هذه الثقافة.
وقد تأثّر بهذا المناخ المؤرخ المصري محمد عبد الله عنان صاحب أكبر وأهم مصنَّف بالعصر الحديث عن الأندلس تحت عنوان «تاريخ دولة الإسلام في الأندلس» الذي كتبه بعدما سافر إلى إسبانيا ليطَّلع على أرشيفاتها في ست مجلدات وحوالي 4000 صفحة. كان إصداره الأول عام 1943، والأخير عام 1965، وبتوافر هذا المصنّف التاريخي الكبير أخذ منه الجميع تقريبًا ذلك الإعجاب بالأندلس مبالغ فيه للغاية، وتحوّل لحالة أسطورية و«يوتوبيا» متخيّلة لم يكن لها وجود على أرض الواقع، وأسهمت في هذه الحالة أسباب متعددة، يمكن إجمال بعضها في النقاط التالية:
وقد بدأت السيرة الأندلسية تظهر للوجود عربيًا في فترة استعادة الوعي العربي والنهضة القومية التي كانت تستدعي تقديم صور مشرقة مبالغ فيها، يمكن تفهمها في ذلك الزمن وسياق الأحداث التاريخية والرغبة في استعادة العرب هويتهم وإبراز أمجادهم لاستنهاض هممهم.
على إثر مذابح المسيحيين عام 1860 في الشام عُـظِّم نموذج التعايش بين المسلمين والمسيحيين في الأندلس، واعتُبِر الفضل في هذا التعايش عائدًا للحكم القائم على الزعامة العربية، وذلك لعقد مقارنة بشكل غير مباشر مع الحكم القائم على الزعامة والعصبية التركية العثمانية، وحثّ العرب على العودة إلى دور الرياسة من جديد على أراضيهم. الفترة التي اعتنى فيها العرب بتاريخ الأندلس، وظلت بسببها ملازمة لهم حتى الآن، لا يمكن فصلها عن الإعجاب بالحضارة الغربية المنتصرة. ومن دلائل ذلك أن في آسيا من آثار للحضارة العربية الإسلامية ما هو أعظم مما تركته الأندلس على كافة الأصعدة، ولكنها لم تجد هذا الحب والحنين والاهتمام لأنها تنتمي لحضارات غير متفوقة أو منتصرة اليوم. فإن عقدة الحضارة الغربية ومركزيتها، وتسرُّب الإعجاب والافتتان بها، ولكونها الحضارة المنتصرة، جعل البعض يعد وجود إرث عربي وإسلامي في قلب أوروبا الغربية دليلًا على عظمة العرب والمسلمين. وهذا من أنواع الدفاع عن النفس وقت الهزيمة، أو الهروب منها لماضٍ قديمٍ بائد. تعظيمنا للأندلس لمجرد ارتباطها بأوروبا وتجاهلنا أي حضارة عربية إسلامية أخرى لمجرد بعدها عنها ليس إلا تنكرًا واحتقارًا للذات.
مثَّل النموذج الأندلسي فرصة مثالية للترويج للأيديولوجية القومية العربية في أول الأمر، ولذلك يُلاحَظ تركيز عناوين كتب التاريخ الأندلسي على العرب مع تجنّب ذكر الإسلام. وهو ما دفع محمد عبد الله عنان إلى عنونة كتابه بـ«تاريخ دولة الإسلام في الأندلس» فيما يشبه الرد على دعاة القومية العربية الأوائل من المسيحيين، ثم تلقَّف عنوان كتابه فيما بعد الإسلامويون لشحن مشاعر الشباب بأن تمسّك المسلمين بدينهم وعقيدتهم الجهادية جعلهم سادة الدنيا والحاكمين على أوربا المسيطرة الآن على بلادنا حسب زعمهم. وعلى ذلك تُروّج هذه الجماعات أن وصولها للسلطة سيعيد للعرب أمجادهم الغابرة.
- خلاصة الكلام
وفي ختام حديثنا، نقول انه بالنسبة لأوربا، كانت الأندلس نموذجًا حضاريًا لا مثيل له في كافة الجوانب؛ لأنها مثلت أعظم حضارة على الإطلاق في أوربا الغربية بهذه الحقبة من القرن الثامن الميلادي حتى القرن العاشر، وهي مرحلة كانت فيها أوربا بذروة الانحطاط الفكري والحضاري. ولكون الأندلس أقرب لأوربا من الشرق العربي الإسلامي، ولثنائية اللغة العربية واللاتينية، كانت الأندلس لأوربا بوابةً وجسرًا لتطوّر الشرق العربي، وعبر الأندلس اطَّلعوا على الحضارة العربية الإسلامية العظيمة في الشرق آنذاك.
أما بالمقارنة مع الشرق العربي الإسلامي فلم تتفرد الأندلس بأمرٍ لم يكن موجودًا وسابقًا لها في الشرق، بل وفدت كل علومها ومعارفها من الحجاز والشام والعراق وبلاد فارس ومصر. ولذلك من المستعجب أن نتعلّق بالفرع الميت ونترك الأصل الحي الذي كان منه يستورد الأندلسيون ويستنسخون.






