كيف يتخلص المسلم المعاصر من وهم (الفردوس المفقود)؟

وقال الراوي
كتب
0
قرون مرت على سقوط غرناطة، في الثاني من يناير عام 1492م ، ولا يزال البعض منا يتباكون على الأندلس وعلى أيامهم فيها، في قصائد الشعر حره، وخطب سياسية، وعلى منابر المساجد، وفي دروس التاريخ بكتب الأطفال والكبار، وفي الروايات والأغاني .. هذا التباكي من المسلمين عربهم وأمازيغهم يصل بهم إلى حد الرغبة الشديدة في العودة لهناك، أحد صناع المحتوى على يوتيوب يصرخ لمشاهديه انا بإذن الله لعائدون يوما ما، ولم يوضح كيف بعد ان صارت الأندلس دولا مستقرة لمئات السنين!.. ولكن كيف لا يعود للجنة المفقودة، فإن مسلمي اليوم من طنجة لبغداد لم يستطيعوا بناء أندلس على أرضهم الطبيعية والشرعية، ويحنون إليها في أوهامهم وأحلامهم منتهية الصلاحية.


فحين كانت الأندلس تحت حكم العرب والأمازيغ كانت الحياة فيها بديعة، كان الموسيقيون الفقهاء، كان المغنون والمؤذنون ومجودو القرآن، أماكن العبادة إلى جانب أماكن اللهو، كانت المساجد العامرة وكانت الكنائس المسيحية والمعابد اليهودية، وكانت فضاءات الطب والفلك عامرة بطلاب العلم. وكانت للمرأة المسلمة الأندلسية مكانتها، ولها حضورها الفاعل في كل ميادين الحياة من قرارات قصر الرئاسة إلى الوزارة إلى الدبلوماسية إلى الشعر والفقه والفلسفة والموسيقى.


ولكن مع ذلك، لم تكن الأندلس كلها بستان ورد وعناقيد سعادة كما يتصورها كثيرون، كان الصراع السياسي والأسري مشتعلاً حول السلطة، وهو أمر طبيعي أيضاً، تقاسم الأمراء المدن والقرى والضواحي والنواحي، وخرج الابن ضد أبيه أو عمه في حرب وقودها شهوة الكرسي والسلطان. واليوم من يرغب في دراسة تاريخ فن العمارة الإسلامية البربرية والعربية على أصولها وقيمها الحقيقية، كالمساجد والقصور والحمامات وتنظيم الأحياء وفن البستنة عليه أن يشد الرحال إلى الأندلس الإسبانية، فهي المكان الأصيل لمثل هذه الدراسات، بدلاً من الذهاب إلى مدن أو حواضر عريقة في بلدان شمال أفريقيا أو الشرق الأوسط، ففي هذه البلدان كل شيء مسخ وتم تشويهه أو القضاء عليه، في حين حافظ الإسبان على هذا الإرث وجعلوا منه كنزاً سياحياً لا ينافس.


واقع الأمر انه لا فرق بين سماء تغطي غرناطة وأخرى تغطي تلمسان، الزرقة هي هي والغيم هو هو، فما السبب في أن ينجح المسلم حين يكون هناك ويخفق حين يكون هنا؟ لا فرق بين شجرة زيتون تنبت في إشبيلية وأخرى تنبت في بساتين فاس أو تونس، فما السبب في أن يكون للزيتون والعنب والرمان طعم هناك وكثرة وجودة وفي الجنوب يفقد كل بهجة وكل متعة؟.. ما الفرق بين سواعد مسلمة بنت ورفعت عماد قصر الحمراء أو مسجد قرطبة الأعظم، وأخرى لم تستطع رفع سقف بيت بسيط يحميها من الريح والمطر والتشرد والخوف في مراكش أو طرابلس أو وهران أو دمشق أو الإسكندرية، فما السبب يا ترى في أن هذا المسلم نجح في إبداع حضارة ها هناك وأخفق حين عاد لبلاده الطبيعية والأصلية؟.. إن المسلم حين أبدع في الأندلس كان يعيش مع الآخر، مع المختلف عنه، كان يتعايش مع اليهودي والمسيحي وغير الديني، يتعايش معهم بسلام وفي تنافس وتنافع وتبادل للمصالح الدنيوية من دون التكفير ولا التخوين ولا احتقار الديانات الأخرى.


إن التعددية في كل شيء، في العقائد والثقافات واللغات، هي من يحرر المسلم المعاصر من أوهام التطرف، وحضور الأجنبي بثقافته في الفضاء الإسلامي يجعل المقايسة مسألة مركزية، هذا الحضور ينهي وهماً مركزياً فيها وهو أننا "أفضل أمة"، ويعيدنا لـ"المجد" والمنافسة السليمة والسلمية في الصناعة والعلم والفلاحة والأدب والأخلاق. فيوم تتحقق التعددية الشاملة في البلدان العربية والمغاربية، ويتجول المسلم في شوارع المدن إلى جانب اليهودي والمسيحي والبوذي واللاديني، آنذاك سيعود المسلم في بلده للإبداع في فن العمارة وسيدرك قيمة احترام التراب والأرض والشجرة والحصان والبحر والصديق والجار والمرأة.


إن وهم "الأندلس الضائعة" التي هي إحساس جمعي ومرضي لا ينتهي إلا بخلق أندلس أخرى في الجزائر وتونس والمغرب وليبيا ومصر والشام واليمن والسودان، حنين استعادة الأندلس هو جرح لا يبرأ منه المسلم إلا إذا أدرك بأن عليه أن يفكر قبل "استعادة الأندلس"، التي هي فكرة استعمارية أساساً، إلى التفكير في استعادة "أرضه" الأصلية الثرية والغنية والواسعة التي يأكلها الكسل والفساد والنهب والخراب، في كل مكان من هذه الأرض من طنجة إلى حلب يمكن أن تنبت مئات "الأندلس"، حين يفهم المسلم قيمة العمل وقيمة الاختلاف وقيمة وضرورة التعايش بسلام. فإن المسلم الذي يفكر في "استعادة الأندلس"، ولا يعلم بأنه، في الوقت نفسه، يخرب أندلسه الحقيقية في بغداد وصنعاء والخرطوم ودمشق وبرقة.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)