التاريخ يؤكد: المصريون لم يعرفوا أسطورة "عروس النيل" مطلقاً

طارق الشافعي
كتب
0
يقول الإمام بن كثير في البداية والنهاية ج7 ما نصه: 
لما افتتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص - حين دخل بؤونة من أشهر العجم – فقالوا : أيها الأمير ، لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها . قال: وما ذاك ؟ قالوا: إذا كانت اثنتي عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر من أبويها ، فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل. فقال لهم عمرو : إن هذا مما لا يكون في الإسلام ، إن الإسلام يهدم ما قبله . قال : فأقاموا بؤونة وأبيب ومسرى والنيل لا يجري قليلا ولا كثيرا ، حتى هموا بالجلاء، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إليه : إنك قد أصبت بالذي فعلت ، وإني قد بعثت إليك بطاقة داخل كتابي ، فألقها في النيل . فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة فإذا فيها " من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر : أما بعد ، فإن كنت إنما تجري من قبلك ومن أمرك فلا تجر فلا حاجة لنا فيك ، وإن كنت إنما تجري بأمر الله الواحد القهار ، وهو الذي يجريك فنسأل الله تعالى أن يجريك " قال : فألقى البطاقة في النيل ، فأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة ، وقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم ".

وقد وردت هذه القصة ايضا في (فتوح مصر واخبارها) لابن عبد الحكم، و(فضائل مصر واخبارها) لابن زولاق، و(تاريخ دمشق) للحافظ بن عساكر، وايضا بعض كتب السُنه، كشرح الاعتقاد للامام اللالكائي والعظمة لأبي شيخ.

ولكن رواة التاريخ قديما ممن كان لهم دراية بعلم الحديث، كانوا يلتزمون بذكر القصة بالسند (عن فلان عن فلان.. كذا) وهو أمر جيد، ساهم بعد ذلك في نقد تلك الروايات من تصحيح أو تضعيف، ليكتب بعد ذلك مؤرخي مصر القصص الصحيحة، ويتركون الضعيفة، ومنهم تلك القصة التي ورد في اسنادها عبد الله بن لهيعة بن عقبه عن قيس بن الحجاج، والذي اتفق اغلب علماء الرجال وقتها انهما ضعيفي الرواية، وقال البعض عن بن لهيعة انه مدلس لم يلتقِ أي ممن روى عنهم. يقول ابن حجر عن روايته: "وكان تارة يرويه مرسلا ، وتارة يرويه عمن حدثه، ومن حدثه مجهول لا يعرفه احد..". ولذلك فتكون تلك الرواية ضعيفة، بل متروكة! قال عنها العقاد في (عبقرية عمر) : "وهذه القصة لو كانت صحيحة لذاع صيتها ، ولانتشر خبرها ، ولتوافرت الهمم على نقلها بالأسانيد الثابتة ؛ لأنه حدث عظيم ، وأمر جليل ، لا يغفل مثله ، بل ماهو أدنى منه ، المؤرخون والرواة.. ". وعليه فقد تركها اغلب مؤرخي العصر المملوكي كالمقريزي وابي المحاسن وابن اياس ممن اهتموا بجمع التاريخ المصري في كتاب واحد. 

مراحل الفيضان في مصر القديمة
والغريبة فعلا أن من يحتج بهذه الرواية اليوم يتناسى أمرا هاما، وان الوثنية قد انتهت من مصر قبل الفتح الإسلامي بقرون طويلة، واندثرت معها كل تلك الطقوس التي ارتبطت بالفيضان، وبقي منها مع أهل مصر احتفالهم السنوي بالنيل بأن يخرجون جميعا للشطوط لمشاهدة الفيضان وهو يغمر الأراضي والضفاف ويعبرون عن فرحتهم بذلك، لارتباطه بمدى الخير والرخاء الذي سيعم عليهم خلال العام القادم.
 

الأقسام :

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)