من الكتب الهامة التي تؤرخ لمرحلة من التاريخ المصري الحديث كتاب (مصر في الحرب العالمية الأولى) للدكتورة لطيفة سالم صادر عن دار الشروق، والذي يحتوى على دراسات شيقة وووافية لعديد من الأمور التي تلقي الضوء على تلك الفترة العصيبة في تاريخ المصريين، ليس عسكريا فقط ولكن سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
| عمال مصريون يعملون في تركيب خط سكه حديد برومانيا 1916م |
توضح الدراسة بالتفصيل المعارك التي خاضها الجيش المصري خلال الحرب، فعندما بدأ الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882م اصدر الخديوي توفيق حاكم مصر آنذاك (طبعا باملاءات انجليزية) قرارا بحل الجيش المصري واعادة تشكيله مرة اخرى بقيادات إنجليزية بالكامل. وقد ساهم ذلك الجيش باربعة كتائب من حرس الحدود في القتال الى جانب الجيش البريطاني في سيناء ورفح، صدا لحملة الجيش العثماني بقيادة احمد جمال باشا عام 1915م، كذلك في التجريدة المصرية لمواجهة جيوش علي دينار سلطان دارفور عام 1916م الذي استجاب لاعلان الجهاد من خليفة المسلمين وأراد الهجوم على حدود المصرية وطرد الانجليز من الصعيد وضمه لسلطنته في دارفور. فصدته الكتيبة المصرية بمعاونة فرقة مدفعية انجليزية.
![]() |
| جندي سوداني ضمن أفراد حرس الحدود في الجيش المصري |
ايضا شارك الجيش المصري في "الحملة السنوسية" عام 1917م اذ شجعت الدولة العثمانية السنوسيون بليبيا لغزو الحدود الغربية لمصر والجهاد ضد القوات البريطانية، فجرد الانجليز فرقتين مشاه ومدفعية ايرلانديين إلى جانب فرقة من حرس الحدود المصريين لصد هجومهم. ايضا خاضت القوات المصرية الحرب في حملة فلسطين عام 1917م اذ خرجت كتيبتين من حرس الحدود الى جانب القوات الانجليزية بقيادة الجنرال اللنبي، وكذلك القوات الفرنسية وقوات الشريف حسين بن علي من الحجاز، لمحاربة القوات العثمانية في غزة عسقلان وخان يونس ورفح، ولكن لم يكن دور القوات المصرية ابعد من رفح وبير سبع وصحراء النقب، في حين اتمت باقي الجيوش طريقها لباقي المعارك المعروفة حتى تسنى طرد القوات العثمانية من كامل بلاد الشام.
أما عن مشاركة المصريين الفعلية في معارك الحرب العالمية الأولى، كما تروي لنا د. لطيفة في كتابها، نجد ان الجيش البريطاني قد شكل مجموعات عمل، او كتيبة عمل، كما أُطلق عليها باللغة الانجليزية Egyptian labor corps وكانت من عشرات الالاف من الفلاحين المصريين الذين اجبروهم بالقوة على ترك اراضيهم، والعمل بالسخرة في معسكرات الجيش البريطاني في مصر وخارجها، اذ تنوعت اعمالهم في حفر الخنادق، وانشاء السكك الحديدية، وكثير من اعمال نقل المعدات وخلافه، وذلك في عديد من معسكرات الحلفاء في رومانيا وبلجيكا، حيث تولت البحرية البريطانية نقلهم واعاشتهم، وقد مات عديد منهم هناك من شقاء العمل وشظف العيش، ودفنوا بمقابر جماعية تابعة لقوات الحلفاء، ومازالت شواهد قبورهم تحمل اسمائهم واوطانهم الى اليوم، والتي ينظر الانجليز لها باعتبارها تعاونا او تحالفا بين تلك الشعوب مع بلادهم لمواجهة قوات المحور، بينما ينظر لها الاخرون باعتبارها صورة سلبية للاحتلال والقمع والدفع بألاف البسطاء لخطوط النار في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، لبناء مجد شخصي لبريطانيا، وعدم التفكير في خسائر تلك الامم التي وقعت يوما تحت احتلالها الغاشم.

