حينما حارب مراد بك الفرنسيين عند دخولهم القاهرة، لم يكن ذلك إلا لحماية مصالحه الشخصية ونفوذه وأملاكه، وقد فهم نابليون ذلك منذ اليوم الاول له في القاهرة، فتواصل معه وعرض عليه أن يعطيه حكم الصعيد من جرجا لأسوان يحكمها من خلال الفرنسيين. في بادئ الأمر رفض مراد غرورا منه، ولكن بعد سلسلة من الهزائم قَبِل بذلك في عهد كليبر.
| مراد بك - كتاب وصف مصر لعلماء الحملة الفرنسية |
وكانت قمة خيانة مراد بك بحق أثناء ثورة القاهرة الثانية، حيث شارك في عمليات القتال ضد المصريين، ومنع عن القاهرة الإمدادات الغذائية التي كانت ترد إليها من الصعيد ومن الجيزة، فيُذكر أنه قد صادر شحنة من الأغذية والخراف تقدر بأربعة آلاف رأس كانت آتية من الصعيد لنجدة أهل القاهرة، وقدمها هديةً إلى كليبر والجيش الفرنسي، وكادت القاهرة تسقط في مجاعةٍ حقيقية.
ولم يكتفِ مراد بذلك، بل سارع أيضاً بإرسال الهدايا والإمدادات إلى "صديقه" كليبر الذي يحاصر القاهرة، وسلمهم العثمانيين اللاجئين إليه، وسعى إلى سحب المماليك الذين كانوا يقاتلون الفرنسيين داخل القاهرة، لينضموا إليه في معاهدته وينهي بذلك ثورة القاهرة. ولما فشل في ذلك، كان هو الذي نصح كليبر بأن يحرق القاهرة على من فيها، وهو الذي أمد الفرنسيين بالبارود والمواد الحارقة التي استخدمت بالفعل في تدمير أحياء القاهرة. وكان مراد قد اشترى هذا كله بأموال المصريين التي جمعها منهم للدفاع عن مصر ضد أي خطرٍ يمكن أن تتعرض له.
وبالفعل أشعل الجنود الفرنسيون الحرائق في البيوت والمتاجر والوكالات، فاندلعت النيران في حي بولاق (بؤرة الثورة) وسقطت البيوت على من فيها، وتناثرت جثث القتلى، واستمر الضرب بالمدافع حتى دمر الحي بأكمله. ثم تتابع هجوم الفرنسيين على سائر أحياء القاهرة، حياً حياً، واستمرت هذه الأهوال ثمانية أيام جرت في أثنائها الدماء أنهاراً في الشوارع، وأصبحت أحياء القاهرة خراباً. ويذهب الجبرتي إلى أنه لولا انضمام مراد بك إلى كليبر لما انتهت ثورة القاهرة الثانية بهذه الهزيمة الساحقة للمصريين وتدمير القاهرة، وكانت تقارير الجنرالات إلى مينو، الذي تولى قيادة الحملة الفرنسية بعد اغتيال كليبر تؤكد مدر إخلاص مراد وولاءه الشديد للفرنسيين.
