الجنرال مينو وفشل سياسته في التقرب من المصريين

طارق الشافعي
كتب
0

لو سلمنا بأن معركة أبي قير البحرية كانت المسمار الأول في نعش الحملة، وكذلك فشل نابليون في حصار عكا كان هو المسار الثاني. فإن تولى الجنرال مينو قيادة الحملة خلفا لكليبر كان المسمار الثالث، والذي قضى على آمال القادة حتى في الخروج المشرف الذي كان يسعى اليه كلا من نابليون وكليبر..


الجنرال جاك فرانسوا مينو

يذكر الاستاذ عبد الرحمن الرافعي في كتابه (تاريخ الحركة القومية ج2) أن الجنرال مينو أراد التقرب من الشعب المصري إلى درجة الاندماج فيه، فاعتزم الزواج من سيدة مصرية شريفة، واقتضى ذلك اعتناقه الإسلام. وذلك في إطار إيمانه بفكرة ترسيخ قدم بلاده في مصر. حيث كان مينو من أشد القادة الفرنسيين في مصر تحمساً لقضية الاستعمار والاندماج، وقد شاركه اخرون هذه الحماسة، إلا أن أحداً منهم لم يفعل ما فعل! فهذا بونابرت أعلن للمصريين من قبل أنه مسلم بقلبه ولمّح إلى أنه سيعتنق الإسلام (أو هكذا أشيع). أما مينو فقد فعل ذلك بوثيقة رسمية، واظهر اداء بعض الشعائر في المسجد مع الجماعة. ولم يكن مينو يقصد اختيار سيدة بعينها، بل كان (كما يقول الاستاذ الرافعي) يرمي إلى مصاهرة عائلة من الأشراف تتصل بالسلالة النبوية، فرغب في البدء بمصاهرة الشيخ الجارم، عميد أسرة الجارم العريقة في الشرف والعلم، ولكن يبدو أن الشيخ أراد سد الطريق أمام الجنرال، فلم يكد يسمع برغبته حتى بادر إلى تزويج كريمتيه إلى اثنين من أهله، ليتخلص من هذه المصاهرة. وقد دفع هذا الرفض مينو إلى طلب الزواج من زبيدة، ابنة السيد محمد البواب أحد أعيان رشيد، وكانت مطلقة بعد زواج سابق، فقبل أبوها وقبلت هي، وتم عقد الزواج في وثيقة شرعية مؤرخة بتاريخ 25 رمضان سنة 1213 هـ (لا تزال موجودة في محكمة رشيد للآن) وتضمنت اقرارا منه باعتناقه للإسلام، وتَسمّى فيها باسم «عبد الله باشا مينو». بعد ذلك تظاهر مينو بتمسكه بالشعائر الإسلامية حتى أنه كان يؤدي صلاة التراويح في شهر رمضان بمساجد رشيد. 



وبعد زواجه، كتب مينو للجنرال دوجا حكمدار القاهرة يقول: «يجب أن أحيطك علماً يا عزيزي الجنرال بأنني اتخذت لي زوجة مصرية، وأنني أعتقد أن هذا الإجراء يخدم الصالح العام». كما كتب ايضا الى بونابرت يعلمه بزواجه، فهنأه على «تضحيته» وقال عنها إنها خطوة مهمة في سبيل القضية الوطنية! ورد عليه مينو بأن هذه هي الطريقة المثلى التي حببته إلى نفوس الأهالي..! 


غير أن هذه المباركات الرسمية للزواج لم تحل دون تعليقات شديدة البذاءة حول الموضوع داخل الجيش الفرنسي. فالجنرال جوزيف ماري مواريه ذكر في مذكراته الواردة في كتاب «مذكرات ضابط في الحملة الفرنسية على مصر» أن لقب «عبد الله» الذي حمله مينو خلق بين الجنود الفرنسيين انطباعات ليست في صالحه، إذ اصطدم ذلك بجذوة أفكارهم الدينية التي نهلوا تعاليمها من تربيتهم الأولى، وثارت تساؤلات بينهم حول ما إذا كان هذا الرجل الذي ارتد عن دينه كفوءً لقيادتهم. ولكن البعض يرى أن هذا الزواج لم يثر استياء واسعاً بين جنود الجيش الفرنسي، لأن أفراده كانوا يؤمنون بقيم الحرية والمساواة التي قامت عليها الثورة الفرنسية، ومن ثم كانوا يرون أن من حقه اتخاذ أية زوجة له كيفما شاء.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)