منذ انتقال السلطة للبيت العباسي أواسط القرن الثامن الميلادي، تعاظمت سلطة العلماء أو رجال الدين حول الخليفة، لا سيما من أهل السُّنه والجماعة، المذهب الرسمي لبيت الخلافة. وكان لهم دور كبير في صياغة العقيدة، أو القواعد الفقهية التي يدين بها عامة الناس وكبار رجال الدولة أيضا. مما جعل مكانة أولئك العلماء لدى العامة تفوق مكانه الخلفاء وصاروا يراجعون قراراتهم في كل شئ، بعد أن كانت سلطتهم استشارية فقط فيما مضى (أهل الحل والعقد)، وهكذا أصبحت كلمتهم قيداً يُدمي مِعصم الخليفة ويُقلل من مكانته!
وخلال القرن التاسع الميلادي أراد الخليفة العباسي المأمون أن يتحرر من هذه السلطة، ويكسر تلك القيود. فما كان أمامه إلا أن يختار مذهباً عقائدياً آخر ويفرضه على الناس بالقوة! ولكن منصبه يمنعه من الخروج من عباءة أهل السُّنة، لأنها سند حكمه كخليفه للمسلمين، ومن ثم كان اختياره للرأي أو الفكر القائل بـ(خلق القرأن) والذي اشتهرت به المعتزلة، ويرفضه كل علماء السُّنة. وهكذا أعلن المأمون الحرب عليهم جميعا، ودعاهم إلى قبول ذلك الرأي أو الاضطهاد، وهو بذلك لا ينشر فكرا او عقيدة يؤمن بها أو يحترمها قدرما كان همه أن يبعد معارضيه عن جواره ليستحوذ على سُدّة الحكم وحده!
ومثل المأمون فعل الإمبراطور البيزنطي هرقل في القرن السابع الميلادي، حينما فرض مذهب كنيسة القسطنطينية (الملكاني) بالقوة وحارب كل المذاهب المسيحية سواه في كل أنحاء دولته، ليقضي على معارضيه، بعد أن انتصر على الساسانيين واستعاد سلطته من جديد، وليس تحيزاً للمذهب أو للعقيدة.
وكذلك أيضا فعل الشاه إسماعيل الصفوي شاه العجم في القرن السادس عشر الميلادي، حينما اختار عقيدة الشيعة الإثنا عشرية وفرضها بالقوة على سائر أركان دولته وعامة الشعب في فارس، حتى لا يكون تابعا لغيره من الحكام المسلمين، بل وقام بنشرها عن طريق إرسال الدُّعاه للبلاد المحيطة ليتوسع بعد ذلك بحدود بلاده بشكل ناعم، قبل أن يلجأ للسلاح والمواجهة العسكرية. إنه توظيف الدين لخدمة السلطة عبر التاريخ، وياله من سلاحٍ فعال عبر العصور.. مهما اختلف الزمن، ومهما تباينت العقائد.
