في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان السودان يعاني من الاهمال في ظل الحكم المصري، والذي استعان بكثير من العناصر الچركسية والتركية والانجليزية بل والأمريكية المرتزقة، وعينهم في مناصب إدارية كحكام للولايات وقادة في الجيش. فأساءوا معاملة السودانين وأهملوا المباني الحكومية وفي المقابل تشددوا في جمع الضرائب، كما حاربوا تجارة العبيد والتي كانت مصدر دخل كبير ونظام اجتماعي تقوم عليه الحياة الاقتصادية في ريف السودان وحضرها، فكانت النتيجة ان استجاب الكثير منهم لدعوة المهدي!
وكان ذلك المهدي ويدعى محمد أحمد رجلا استغل غياب الوعي عند اغلب المواطنين من أهل السودان آنذاك وادعى أنه "المهدي"، ذلك الذي تروي عنه بعض الأحاديث انه يظهر في آخر الزمان ويملأ الأرض عدلًا بعد أن مُلئت جوراً. ولقلة التعليم وزيادة الجور وقتها، وبدأت الثورة عام 1881م، وقد دعمه السودانيون بقوة مكنته من هزيمة القوات الحكومية المصرية والسيطرة على السودان. وتوفي المهدي بعد انتصاره بفترة قصيرة تاركا القيادة لخلفه عبد الله التعايشي الذي حارب الأحباش وحاول غزو جنوب مصر، واستمر حكمه لسنوات عديدة.
| تشارلز جورج جوردون (باشا) حاكم عام السودان |
وفي القاهرة، تسببت سياسات الخديوي إسماعيل وديونه في حالة من عدم الاستقرار، تدخل فيها الانجليز بقوة في شئون مصر، في نفس الوقت الذي كانت فيه السودان تحت حكم الانجليزي تشارلز جورج جرودون، والذي عينه الخديوي منذ عام 1876م، والذي شعر من بعد عزل الخديوي أن وجوده في منصبه أصبح عديم القيمة، فطلب استعفائه هو الآخر، فطلبت الادارة المصرية فرصة لتوفير البديل، في الوقت الذي اشتعلت فيه الثورة في اكثر من مكان، في الأُبيض وكردفان وأبا وفاشودة، وتحركت آلايات من الحامية المصرية في الخرطوم وكردفان لقمع المتمردين دون جدوى، فكانت النتيجة سقوط مزيد من المناطق واحدة تلو الاخرى في يد المهدي واتباعه.
| اغتيال جوردون باشا 1884م |
وفي بدايات عام 1884م تم التحضير لغزو مدينة الخرطوم، فأحست الادارة المصرية بعظم التهديد الذي بات يهدد وجودها حيث لم يبق في البلاد من الجنود ما يكفي للدفاع عن البلاد وبدأت الحاميات في التجهيز للانسحاب إلى الخرطوم ومنها إلى بربر مالم تصل التعزيزات من مصر. وبدأ بعض كبار الموظفين بادعاء المرض والعلل للعودة إلى القاهرة. وتوالت هزائم القوات المصرية في سواكن. ومن السويس أُرسلت قوة انجليزية لسواكن تحت قيادة الجنرال سير جيرالد جراهام، وبعد عدة معارك عنيفة أجبرت المتمردين على الرحيل، بعدها أحس جوردون أن الطريق من سواكن إلى بربر مفتوحاً، ولكن بشكل فجائي انسحب جراهام وقواته وتم التخلي عن جوردون والسودان. واستسلمت الحامية المصرية الموجودة في بربر، وتم إحكام السيطرة على الخرطوم بشكل كامل. في 26 يناير 1884م تم اقتحام الثوار للخرطوم من اربع نواحي، وحاصروا دار الحكمدار العام وخرج لهم جوردون فرماه احد الثوار بحربه اخترقت صدره ومات في الحال، ليعلن المهديون بقيادة التعايشي السيطرة على كامل ربوع السودان، في حين كانت القوات العسكرية قد انسحب اغلبها، فخرجت السودان منذ ذلك اليوم من السيطرة المصرية. واصبح الوجود المصري بعدها في السودان بشكل صوري حتى عام 1952م والسيطرة الفعليه والحكم للقوات البريطانية الغازية.
