اين يوجد قبر الإسكندر الأكبر تحديدا؟ وكيف اختفى ضريحه تدريجيا من ذاكرة التاريخ؟

طارق الشافعي
كتب
0

بعد وفاة الإسكندر الأكبر بشكل فجائي في مدينة بابل عام 323 ق.م اختلف القادة على اقتسام مملكته، وانقضى زمانًا على استعدادات الجنازة حيث تم تحنيط جثمانه على الطريقة المصرية، كما وضعت مومياؤه داخل تابوت من الرخام المطعم بالذهب، ثم وضع في عربة خاصة بها محفة مموهة بالذهب يجرها 64 بغلا استعدادا لدفنه في مقدونيا، كما يروي لنا المؤرخ ديودورس الصقلي.


القائد المقدوني الأسكندر الأكبر


وأشيعت في ذلك الوقت نبوءة أن المملكة التي تضم جثمان الإسكندر الأكبر سوف تحقق ازدهاراً، ومن ثم طمع بطليموس الأول في الإستيلاء على الجثمان اثناء مرور موكب الجنازة من سوريا. وبعد معركة قصيرة مع قوات تأمين الموكب، قام بطليموس بنقل الجثمان بالمحفة الفخمة للاسكندرية، ودفنه داخل مقبرة مؤقتة لحين الإنتهاء من بناء نصب تذكاري عظيم له بميدان السوما اشهر ميادين العاصمة الإسكندرية، وانتهى البناء بالفعل في عهد بطليموس الثاني، والذي أقام بجواره مقبره لوالديه بطليموس الأول وبرنيكي الأولى، واستنَّ أيضا طقوس لعبادة الإسكندر الأكبر، وعين كاهن للقيام بطقوس هذه العبادة، وذكر المؤرخ استرابون في كتابه أن قبور الملوك البطالمة وقبر الإسكندر الأكبر كانت في جبانه فخمه وتشكل جزءًا من قصور البطالمة، وهذا يعني أن ضريح الإسكندر الأكبر وتلك الجبانه كانتا بالحي الملكي.


تابوت قيل انه مماثل لما دفن فيه الاسكندر


وطبقا لوصف استرابون كان ضريح الاسكندر مكون من جزئين، الاول فوق سطح الأرض وهو عبارة عن معبد لإقامة الطقوس، والآخر في باطن الأرض، ويبدأ بمدخل يؤدي لسلم ثم فناء مربع ثم دهليز طويل ينتهي بالمقبرة أسفل الضريح تحت سطح الأرض، قد سُجّي الجثمان ظاهرا في تابوت رخامي بديع منقوش وبجواره سيفه ودرعه وسترته. وقد اهتم بطليموس الرابع بجمع رفات أسلافه من ملوك البطالمة وأسرهم في تلك الجبانه بجوار مقبرة الإسكندر، كما حُفظت رفاته لاحقا هو وزوجته الملكة ارسينوى بها.


كيف استلقى جثمان الاسكندر في ضريحه على اصح الروايات


وعن رواية من العصر الروماني لمؤرخ آخر اسمه أخيلتيتوس ان هذا الضريح العظيم كان يقع تحديدا عند تقاطع شارعي المدينة الرئيسيين السوما وكانوب، وكان يتجه من القصر الملكي وحتى الميناء الواقع على بحيرة مريوط. ويُلاحَظ أنه توجد فترات زمنية بين رواية هذا الكاتب وما دونه سترابون في نهاية القرن الاول ق.م وقد تغيرت معالم المدينة كثيرا واستحدثت بها شوارع واماكن جديدة حول هذا الضريح وما حوله من جبانة البطالمة، ومن المعروف أن ملوك البطالمة حتى بطليموس الثاني عشر قد ظلوا يدفنون في هذه الجبانة، وقد ذكر أحد المؤرخين أن بطليموس الحادي عشر، قد استبدل تابوت الإسكندر الذهبي بآخر زجاجي يتيح للزائر رؤية الجثمان دون ان يلمسه، ولعله نوع نادر من حجر الألباستر الشفاف. وان كان الإهمال قد طال المكان في وقت لاحق، واختفت بعض الكنوز كدرع الاسكندر وسيفه شيئا فشيئا. 


الاسكندرية خلال العهد البطلمي


وخلال العصر الروماني دونت حوليات عديد من المؤرخين زيارات عديد من القياصرة واباطرة روما الاوائل لضريح الإسكندر، فقد زاره يوليوس قيصر وقالوا إنه وقف يدقق أمامه ملياً في الجثمان المُسجى أمامه، كما قام الإمبراطور الروماني أغسطس،  بزيارته ويبدو أن انبهاره بمثوله أمام جثمان العاهل الذي سبقه بثلاث قرون للوجود قد دفعه لتحسس طرف أنف الإسكندر مما أدى إلى سقوطه! ثم قام بوضع إكليل من الذهب على رأس الإسكندر ونثر عليه الورود كما قام الإمبراطور الروماني كراكلا ايضا بزيارته وقام بخلع ردائه وحليه ووضعها أعلى مومياء الإسكندر، وكما يُذكر أن الإمبراطور الروماني سبتيميوس سفيروس قد قام بوضع مجموعة من نفائس مكتبة الإسكندرية داخل مقبرة الإسكندر في واقعه غريبة غير مسبوقة، وذلك للحيلولة دون حضور العلماء الرومان للحضور للإسكندرية والإطلاع على هذه النفائس.


اوكتافيوس قيصر يزور ضريح الاسكندر ويضع اكليل الغار على جبهته


ومع تعاقب الأزمان قلَّ الحديث عن المقبرة نفسها في الحوادث التاريخية، بدءاً من أحداث التدمير التي في عهد الإمبراطور اوريليان عام 272م والتي طالت الحي الملكي، ويليها أحداث الشغب التي وقعت بين المسيحيين الأوائل من أبناء كنيسة الاسكندرية والوثنيين عقب مرسوم الامبراطور ثيودوسيس باقرار المسيحية ديانه رسمية في سائر أنحاء البلاد عام 391م، وما اعقبه من تدمير السيرابيوم والباقي من مكتبة الاسكندرية، فلعل ذلك قد طال الضريح وجبانه البطالمة، أو قد يكون استخدم ككنيسه، كما فعل المسيحيون الاوائل مع مباني كثيرة، وبذلك زال من الوجود. أيضا ورد في نسخه من السنكسار لاحقا أنه عند إزالة بعض الأنقاض من كوم ديماس (كوم الدكة حالياً) عُثر على حجر عليه نقش الإسكندر الأكبر يُعتقد انه من الضريح، وأيضا ذكر المؤرخ أبي الحسن المسعودي والذي زار المدينة في القرن العاشر الميلادي، أنه قد شاهد أثراً بها يُدعي قبر الإسكندر، ويذكر الرحالة الشهير الحسن الوزان (ليو الإفريقي) انه زار الإسكندرية في القرن السادس عشر الميلادي، بأنها كانت في حالة تدهور ولا يوجد بها سوى شارع واحد طويل (شارع كانوب) به مبني على هيئة ضريح وسط أكواخ وخرائب وبه جثة الإسكندر الأكبر، وكان موقع يتبرك به أهل المدينة المسلمين. 



ولكن ما كتبه المسعودي أو ليو الافريقي كان نقلا عن روايات العامة وليس يقينا! اغلب الظن أن الحقيقة كانت غير ذلك تماما. ولاختلاف تلك الروايات وتضادها احيانا، وقع علماء الآثار من كل الجنسيات في العصر الحديث في إشكال كبير! فإفتراض أن مقبرة الإسكندر توجد داخل الجبانة الملكية يؤكد أن الضريح أو القبر لا وجود له الآن، ولا داعي لتكلفة عناء البحث عنه، وإن كانت مازالت آراء بعض الأثريين فيما يختص بموقع هذه المقبرة تتركز حول موقعين بالمدينة الأول هو بمنطقة مسجد النبي دانيال بالغرب ومنطقة جبانة اللاتين بالشرق من المدينة.

الأقسام :

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)